المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ٢١٤
بعده {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} ؟ قيل: يكون على أن كل واحد منهم قال: "يَا وَيْلَتَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا"، كما يقول الرجل: صبرا على ما حكم الله به علينا، ورضيت بما قسم الله لنا، ونحوٌ منه قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [١]، أي: اجلدوا كل واحد منهم. ومثله ما حكاه أبو زيد من قولهم: أتينا الأمير فكسانا كلنا حلّة، وأعطانا كلنا مائة، أي: كسا كل واحد منا حلة، وأعطى كل واحد منا مائة.
ومن ذلك قراءة أبي بن كعب: " منْ هَبَّنَا مِنْ مَرْقَدِنَا"[٢]، يعني أصحاب القبور.
قال أبو الفتح: قد أثبت أبو حاتم عن ابن مسعود: "مَنْ أهَبَّنَا"، بالهمزة. وهي أقيس القراءتين. يقال: هَبَّ من نومه، أي: انتبه وأَهْبَبْتُهُ أنا، أي: أنبهته. قال:
أَلَا أَيُّها النُّوَامُ وَيْحَكُمُ هُبُّوا ... أُسَائِلُكُمْ: هَلْ يَقْتُلُ الرَّجُلَ الحُبُّ٣
فأما "هبَنَّي" أي: أيقظني فلم أر لها في اللغة أصلا، ولعلها لغة قليلة، ولا مَرَّ بنا مَهْبُوب، بمعنى مُوقَظ. وهي -مع حسن الظن بِأُبَيّ- مقبولة. وقد أثبتها أبو حاتم أيضا، اللهم إلا أن يكون حرف الجر معها محذوفا، أي: وهب بنا، بمعنى أيقظنا، ثم حُذف حرف الجر، فوصل الفعل بنفسه. وليس المعنى على من هَبَّ فَهَبَبْنَا معه كقولك: انتبَهَ وأَنْبَهَنا[٤] معه، وإنما معناه من أيقظنا. ألا ترى إلى قول الله "سبحانه" {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِم} [٥] ليس معناه "تعالى" أنه ذهب وذهب بنورهم معه؟ هذا مدفوع عن الله تعالى، وإنما معناه: أَذْهَبَ نُورَهُمْ، فذَهَبَ بِهِ كأَذْهَبَهُ، أي أزاله وأنفده[٦]، فاعرف ذلك.
ومن ذلك قراءة محمد بن كعب القُرَظيّ: "وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ سِلْمٌ قَوْلًا"[٧].
[١] سورة النور: ٤.
[٢] سورة يس: ٥٢، وقراءة الجماعة: {مَنْ بَعَثَنَا} .
٣ لجميل من سبعة أبيات في سمط اللآلي: ٩٤٦، ورواية الصدر فيه:
ألا أيها الركب النيام إلا هبوا
وانظر الأمالي: ٢: ٣٠٢.
[٤] كذا بالأصل، والسياق يقتضي "انتبهنا".
[٥] سورة البقرة: ١٧.
[٦] في ك: وأبعده.
[٧] سورة يس: ٥٨.