المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ١٩٨
سورة فاطر:
بسم الله الرحمن الرحيم
قرا الضحاك: "الْحَمْدُ لِلَّهِ فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ"[١].
قال أبو الفتح: هذا على الثناء على الله "سبحانه"، وذكر النعمة التي استحق بها الحمد. وأفرد ذلك في الجملة التي هي "جعل" بما فيها من الضمير، فكان أذهب في معنى الثناء؛ لأنه[٢] جملة بعد جملة. وكلما زاد الإسهاب في الثناء أو الذم كان أبلغ فيهما ألا ترى إلى قول خِرنِق٣:
لا يَبعَدًا قومِي الذين هُمُ ... سمُّ العُدَاة وَآفَةُ الجُزْرِ
النازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ ... والطَّيِّبِينَ مَعَاقِدَ الأُزْرِ
ويروى: النازلون والطيبون، والنازلين والطيبون، والطيبين والنازلون. والرفع على هُمُ، والنصب على أعني. فكلما اختلفتِ الجملُ كان الكلام أفانينَ وضروبا، فكان أبلغ منه إذا أُلْزِم شرحًا واحدًا. فقولك: أُثْنِي على الله، أعطانا فأغنى، أبلغ من قولك: أُثْنِي على الله، المعطينا والمغنينا؛ لأن معك هنا جملة واحدة، وهناك ثلاث جمل.
ويدلك على صحة هذا المعنى قراءة الحسن: "جَاعِلُ الْمَلائِكَةِ"، بالرفع؛ فهذا على قولك: هو جاعل الملائكة، ويشهد به أيضا قراءة خليد بن نشيط: "جَعَلَ الْمَلائِكَةَ".
قال أبو عبيدة: إذا طال الكلام خرجوا من الرفع إلى النصب، ومن النصب إلى الرفع. يريد ما نحن عليه؛ لتختلف ضروبه، وتتباين تراكيبه.
ومن ذلك قراءة عيسى الثقفي: "سَيْغٌ شَرَابُهُ"[٤].
[١] سورة فاطر: ١.
[٢] في ك: لأنها.
٣ شاعرة جاهلية من بني ضبيعة رهط الأعشى، وقيل غير ذلك. والعداة: الأعداء، جمع عاد. والجزر: جمع الجزور، وهي الناقة التي تنحر، وسكنت زاي الجزر للتخفيف. والطيبون معاقد الأزر: كناية عن العفة. وانظر الكتاب: ١: ١٠٤، ٢٤٦، ٢٤٩، والخزانة: ٢: ٣٠١ وما بعدها، والدرر اللوامع: ٢: ١٥٠.
[٤] سورة فاطر: ١٢