المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ١٤١
ومن ذلك قراءة أبي رجاء وعيسى الثقفي: "عِفْريَةٌ"[١].
قال أبو الفتح: هو العفريت. يقال: رجل عِفْريَةٌ نِفْريَةٌ إتباعا: إذا كان خبيثا داهيا. وقالوا: تَعَفْرَتَ الرجلُ: إذا صار عفريتا، أي: خبيثا. وهذا مثال غريب؛ لأن وزنه تَفَعْلَتَ، ونحوه من المُثُل الغريبة في الفعل قولهم: يَرْنَأَ الرجُلُ لِحْيَتَهُ: إذا صَبَغَها باليُرْنَاء، وهو الحناء. فيَرْنَأَ على ما ترى يَفْعَلَ[٢]، ومضارعه يُيَرْنِئ يُيَفْعِلُ، واسم الفاعل مُيَرْنِئ، وهو مُيَفْعِل.
وأصل العفريب من العَفْر، وهو التراب، كأنه يختِل قِرْنَه فيصرعه إلى العَفْر, ومنه قيل للأسد: عَفَرْني، وللناقة الشديدة: عفرناة. وقال الأعشى:
بِذاتِ لَوْثٍ عَفْرَنَاةِ إذَا عَثَرَتْ ... فَالنَّعْسُ أَدْنَى لَهَا مِنْ أَنْ أَقُولَ: لَعَا٣
ومنه عِفْرِيَةُ الرأس: للشعر الذي عليه؛ وذلك لأن قُصَارَاه أن يُحْلَقَ فيصير إلى التراب، أو يصير تُرَابًا. ومنه اليَعْفُور. لولَدِ الظبية؛ لأنه لصغَرِه ما[٤] يلزق بالتراب، أو لأن لونه لون التراب. ومنه ليث عِفِرِّينَ؛ لأنه دابة يلزم التراب.
ومن ذلك قراءة الحسن: "فَمَا كَانَ جَوَابُ قَوْمِهِ"[٥]، يرفع الباء.
قال أبو الفتح: أقوى من هذا "جَوَابَ قَوْمِهِ" بالنصب، ويجعل اسم كان قوله: {أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ} : لشبه أن بالمضمر. من حيث كانت لا توصف كما لا يوصف. والمضمر[٦] أعرف من هذا المظهر، وقد تقدم القول في ذلك[٧].
[١] سورة النمل: ٣٩.
[٢] أورده صاحب القاموس في "يرنأ"، ونبه في "رنأ" على أنه في الياء.
٣ قبله:
كلفت مجهولها نفسي وشايعني ... همي عليها إذا ما آلها لمعا
وشايعني: أعانني. والآل: السراب. واللوث: القوة. والعفرناة: الغول، شبه بها ناقته. والتعس: الضعف، ولعًا له: دعاء للعاثر بأن ينتعش، أي: سلمت، ونجوت. وانظر الديوان: ١٣.
٤ "ما" زائدة.
[٥] سورة النمل: ٥٦، وفي الأصل: "فَمَا كَانَ جَوَابَ.."، وهو تحريف.
[٦] في ك: المضمر، سقط.
[٧] انظر الصفحة ١١٥ من هذا الجزء.