المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ١١٤
يريد ما جرى من رغوة لبنها في القيعات[١]، وهو كثير كقولهم: أرض قِفارٌ ومُحُول وسباسِبُ[٢]، مما بُولغ فيه بذكر الجمع.
ومن ذلك قراءة طلحة بن مُصّرِّف: "سَنَاءُ بَرْقِهِ"[٣].
قال أبو الفتح: السناء، ممدودا: الشرف، يقال: رجل ظاهر النبل والسناء. والسنى مقصورا: الضوء. وعليه قراءة الكافة: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ} ، أي: ضوء برقه. وأما "سناء برقه" فقد يجوز أن يكون أراد المبالغة في قوة ضوئه وصفائه، فأطلق عليه لفظ الشرف. كقولك: هذا ضوء كريم، أي: هو غاية في قوته وإنارته، فلو كان إنسانا لكان كريما شريفًا[٤] [١١٣ظ]
ومن ذلك قراءة أبي جعفر يزيد: "يُذْهِبُ"[٥]، بضم الياء.
قال أبو الفتح: الباء زائدة، أي يذهِبُ الأبصار. ومثله في زيادة الباء في نحو هذا قوله: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [٦]، وقول الهذلي:
شَرِبْنَ بِمَاءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ ... مَتَى لُحَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ٧
أي: شربن ماء البحر، وإن كان قد قيل: إن الباء هنا بمعنى في، أي: في لجج البحر.
[١] في ك: بالقيعات.
[٢] جمع سبسب، وهو الأرض المستوية.
[٣] سورة النور: ٤٣.
[٤] في ك: شريفا كريما.
[٥] سورة النور: ٤٣.
[٦] سورة البقرة: ١٩٥.
٧ البيت لأبي كبير. وروي "تروت" مكان "شربن"، و"تنصبت" مكان "ترفعت"، و"على حبشيات" مكان "متى لجج خضر"، وتنصبت: ارتفعت. وحبشيات: أراد بها سحائب سودا. ومتى: من، في لغة هذيل. وضمير "شربن" للحناتم في قوله:
سقى أم عمرو كل آخر ليلة ... حناتم سودا ماؤهن ثجيج
والحناتم: الجرار الخضر في الأصل، يشبه بها السحائب والواحد حنتم. وثجيج: سائل. وانظر ديوان الهذليين: ١: ٥١، والخزانة:: ٣: ١٩٣، ١٩٤، واللسان "ثجج، حنتم"، ومغني اللبيب: ٢: ٢٠.