مختارات شعراء العرب - ابن الشجري - الصفحة ٥٢
قال: ثم من؟ قال: والله لحسبك بي عند رهبة أو رغبة إذا رفعت إحدى رجلي على الأخرى ثم عويت في أثر القوافي كما يعوي الفصيل وراء الإبل الصادرة.
قال: ومنْ أنت؟ قال: أنا الحطيئة.
فرحب به سعيد، وقال: قد أسأتَ بكتمانك نفسك منا الليلة، وقد علمتَ شوقنا إليك، وإلى حديث العرب.
وقال يمدحه:
لعمري لقد أمسى على الأمرِ سائسٌ ... بصيرٌ بما ضرَّ العدوَّ أريب
جريءٌ على ما يكرهُ المرءُ صدرهُ ... وللفاحشاتِ المندياتِ هيوبُ
سعيدٌ وما يفعلْ سعيدٌ فإنه ... نجيب فلاهُ في الرباطِ نجيب
سعيدٌ فلا تغرركَ خفةُ لحمهِ ... تخددَ عنه اللحمُ وهو صليب
إذا خاف إصعاباً من المر صدره ... علاهُ فباتَ الأمرُ وهو ركوبُ
إذا غاب عنا غاب عنَّا ربيعنا ... ونسقى الغمامَ الغرَّ حين يؤوبُ
فنعمَ الفتى تعشو إلى ضوءِ ناره ... إذا الريح هبتْ والمكان جديب
دخل الحطيئة على عتيبة بن النهاس العجلي، وكان من وجوه بكر بن وائل، وكان يبخل، وعلى الحطيئة عباءة، ولم يكن عتيبة يعرفه، فقال له: أعطني. قال: ما أنا على عملٍ فأعطيك وما في مالي فضلٌ عن قومي.
قال: فلا عليك! ثم انصرف. فقال لعتيبة رجلٌ كان عنده من قومه: لقد عرضتنا لشر. قال: ومن هذا؟ قال: الحطيئة؟ قال: ردوه. فردوه. فقال له عتيبة: بئس ما صنعت، ما استأنست استئناسَ الجارِ، ولا سلمت تسليم أهل الإسلام. ولقد كتمتنا نفسك حتى كأنك كنت معتلاً علينا. اجلس؛ فإنَّ لك عندنا ما يسرك؛ فقد عرفنا السبب الذي تمت به، وأنت جار، وأشعر العرب.
قال: ما أنا بأشعر العرب. قال: فمن أشعر العرب؟ قال: الذي يقول:
ومن يجعلِ المعروفَ من دونِ عرضهِ ... يفرهُ ومنْ لا يتق الشتمَ يشتمِ
فقال له عتيبة: أما إنَّ هذه الكلمة من مقدمات أفاعيك.
ثم قال لغلامه: اذهب معه، فلا يشيرنَّ إلى شيء إلا اشتريته له. فانطلق معه الغلام، فعرض عليه الخزَّ واليمنة، فلم يقبل ذلك، وأشار إلى الأكسية والكرابيس الغلاظ حتى أوقر ما أحبَّ ولم يبلغ ذلك مائتي درهم.
فرجع إلى قومه؛ فلما رأوا ما جاءَ به، وأخبرهم ما صنع به لاموه، وقالوا: بعث معك غلامه، وهو أكثر العرب مالاً، فأخذت القليلَ الخسيسَ، وتركتَ الجزيلَ النفيس؛ فقال:
سئلتَ فلم تبخلْ ولم تعطِ طائلاً ... فسيان لاذمٌّ عليك ولا حمدُ
وأنتَ امرؤٌ لا الجودُ منك سجيةٌ ... فتعطي وقد يعدِي على النائلِ الوجدُ
يعدِي: يعين.
يقول: قد يعين على الإعطاءِ اليسارُ إن كان الرجل بخيلاً.
لقي الحطيئة طريف بن دفاع الحنفي، فقال له طريف: أين تريد يا أبا مليكة؟ قال: أريد اللبن والتمر. قال: فاصحبني فلك ذلك عندي.
فسار به إلى اليمامة، فأقام عنده حيناً، فأعطاه وأكرمه؛ فقال:
سرينا فلما أنْ أتينا بلادهُ ... أقمنا وأرتعنا بخيرِ مريع
رأى المجدَ والدفاعُ يبنيهِ فابتنى ... إلى كلِّ بنيانِ أشمَّ رفيع
تفرستُ فيه الخيرَ لما رأيته ... لما ورثَ الدفاعُ غير مضيع
فتًى غيرُ مفراح إذا الخيرُ مسهُ ... ومن نائباتِ الدهرِ غيرُ جزوع
عدو بناتِ الفحلِ كم من نجيبةٍ ... وكوماءَ قد ضرجتها بنجيع
وذاك فتًى إن تأتهِ في صنيعة ... إلى مالهِ لا تأتهِ بشفيع
وقال يمدح بني رياح بن ربيعة بن مازن بن الحارث بان قطيعة بن عبس، ويهجو بني زهير بن جذيمة:
لنعمَ الحيُّ حيُّ بني رياحِ ... إذا ما أوقدوا فوقَ اليفاعِ
ونعمَ الحيُّ حيُّ بني رياحِ ... إذا اختلط الدواعي بالدواعِي
ألم ترَ أن جارَ بني زهيرٍ ... ضعيفُ الركنِ ليس بذي امتناعِ
وليس الجارُ جارُ بنِي رياحِ ... بمقصىً في المحلِّ ولا مضاع
هم صنعوا لجارهمُ وليست ... يدُ الخرقاءِ مثلَ يدِ الصناع
ويحرمُ سر جارتهم عليهم ... ويأكلُ جارهم أنفَ القصاعِ
أنف: أول.
وجارهم إذا ما حلَّ فيهمْ ... على أكناف رابيةِ يفاع
لعمركَ ما قرادُ بني رياحِ ... إذا نزعَ القراد بمستطاعِ
قال: ربما قرد الذئبُ البعيرَ، أي نزع قرادهُ فيستلذّ البعيرُ ذلك، فيصيب غرتهُ فيملحُ عينه، ضربه مثلاً.