مختارات شعراء العرب - ابن الشجري - الصفحة ٥١
تراها بعد دعسِ الحيِّ فيها ... كحاشيةِ الرداءِ الأتحمي
الدعس: الوطءُ. والأتحميّ: ضربٌ من برود كانت تعملُ في أول الدهر.
أكلَّ الناسِ تكتمُ حبَّ هندٍ ... وما تخفِي بذلكَ من خفيِّ
سقيةُ بينَ أنهارٍ وزرعٍ ... سقاها بردُ رائحةِ العشيِّ
يقول: إنها في خصب. ورائحة العشيّ: السحابة التي تروح فتمطر.
منعمةٌ تصونُ إليكَ منها ... كصونكَ من رداءٍ شرعبيّ
يظلُّ ضجيعها أرجاً عليهِ ... مفارقُها من المسكِ الذكيِّ
جمع المفرق بما حوله. وإنما هو مفرقٌ واحد. والأرج: توهج الطيب. وكلُّ ما توهجَ فقد تأرج. والذكي: الحاد الريح. ومنه ذكاء القلب.
يعاشرها السعيد، ولا تراها ... يعاشرُ مثلها جدُّ الشقيِّ
فما لكَ غيرُ تنظارٍ إليها ... كما نظر الفقيرُ إلى الغنيِّ
فأبلغْ عامراً عني رسولاً ... رسالةَ ناصحٍ بهم حفيِّ
عامر بن صعصعة. والحفي: اللطيف.
فإياكمْ وحيةَ بطنِ وادِ ... هموزَ الناب ليس لكمْ بسيِّ
ليس لكم بسيّ ": أي بندّ؛ وهو الكفءُ والمثل. يقال: هما سيان في هذا الأمر، وهم أسواءٌ فيه.
وخلوا بطنَ عقمةَ واتقونا ... إلى نجرانَ في بلدٍ رخيِّ
الرخيّ: المتباعد. يقال: قد تراخى ما بين الرجلين: إذا تباعد.
فكم من دارٍ قومٍ قد أباحتْ ... لقومهمُ رماحُ بني عديِّ
فما إنْ كان عنْ ودٍّ ولكنْ ... أباحوها بصمِّ السمهريِّ
أي لم تكن الإباحةُ عن ود كان من هؤلاء، ولكن أباحوها بالرماح. والسمهري: الشديد. ويقال: اسمهر عليه الأمر: أي اشتد.
وكلِّ مفاضةٍ جدلاءَ زغفٍ ... مضاعفةٍ وأبيضَ مشرفيِّ
مفاضة: يعني درعاً واسعة. والجدلاءُ: المجدولة الدقيقة الحلق. والزغف: اللينة اللمس. والمضاعفة: التي نسجت حلقتين حلقتين. والمشرفي: السيف، نسب إلى المشارف؛ وهي قرًى تدنو من الريف.
ومطردِ الكعوبِ كأنَّ فيهِ ... قدامى ذي مناكبَ مضرحِي
يقول: كأنَّ سنانه قادمة نسرٍ من حدته. والمضرحي: العتيق الكريم من النسور. وقيل المضرحي: الأحمر.
إذا خرجتْ أوائلهنَّ يوماً ... مجلحةً كجنةِ عبقريِّ
قال جعفر بن مهلهل: قال ابنُ الكلبي: الذي يقال لهم جنة عبقر: بنو عبقر بن خويلة بن جشم ابن عمرو بن عبد شمس، وكانوا أشدَّ العرب بأساً؛ فصاروا مثلاً. وعبقر: موضع.
وقال الأصمعي: سألنا أبا عمرو عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " لم أر عبقريا يفري فريه ". فقال: يقال هذا عبقري قوم، كما يقال: هذا سيد قوم، وكريم قوم.
وقال الأصمعي: إنه نسب إلى قوم بعبقر؛ وهي أرض تسكنها الجن؛ فصار لكل منسوب إلى شيء. قال زهير:
بخيلٍ عليها جنةٌ عبقريةٌ ... جديرون يوماً أن ينالوا فيستعلوا
منعنَ منابتَ القلامِ حتى ... علا القُلامُ أفواهَ الركيِّ
الركيِّ: جمع ركية، خرج مخرج شعير وشعيرة. والقُلام: نبتٌ يكون قريباً من الماء؛ أي منعن ذلك الماء، وأحمينَ مراعيه حتى عفا قلامه فغطى أواه الركايا.
أتغضبُ أن يساقَ القهدُ منكمْ ... فمنْ يبكي لأهلِ الساجسيِّ
يروى: أتبكي أن تساقَ. ويروى: لفقدِ الساجسيّ. والقهد: غنم صغار حمر، سك الآذان، كلف الوجوه. والساجسيُّ: غنم أهل الجزيرة، وغنم تغلب والنمر بن قاسط ومن والاهم.
كان سعيد بن العاص على المدينة، فبينا هو يعشى الناس، وقد خفوا إلا حداثه وأصحاب سمره إذا أعرابي قبيح الوجه، كبير السن، سيئ الهيئة على البساط، فانتهى إليه الشرط فذهبوا ليقيموه، فأبى أن يقوم؛ فنظر إليه سعيدٌ وقد حانت منه التفافة؛ فقال: دعوا الرجل؛ وخاضوا في حديث العرب وأشعارها؛ فقال ولا يعرفونه: ما أصبتم جيدَ العشر ولا شاعر العرب.
فقال له سعيد: فهل عندكَ من ذلك علم؟ قال: نعم. قال: فمن أشعر الناس؟ قال: الذي يقول:
لا أعدُّ الإقتارَ عدماً ولكنْ ... فقدُ منْ قدْ رزئته الإعدام
فأنشدها حتى أتى عليها. قال: فمن يقولها: قال: أبو دواد الإيادي. قال: ثم من؟ قال الذي يقول:
أفلحْ بما شئتَ فقدْ يدركُ بالض ... عفِ وقد يخدَّعُ الأريب
وأنشدها حتى أتى عليها. قال: فمن قالها؟ قال: عبيد ابن الأبرص أحد بني سعد.