مختارات شعراء العرب - ابن الشجري - الصفحة ١٠
جموعٌ خلالَ الخيرِ من كلِّ جانب ... إذا جاءَ جياءٌ بهنَّ ذهوبُ
فعول وفعال يأتيان للمبالغة، كقولك: ضروبٌ وضراب. وحدث محمد بن زيد عن أبي محلم قال: أنشدتُ يونس أبياتاً من رجزٍ فكتبهنَّ على ذراعه ثم قال لي: إنك لجياءٌ بالخير.
فتًى لا يبالي أن يكونَ بجسمهِ ... إذا نال خلاتِ الكرامِ شحوبُ
فلو كان ميتٌ يفتدى لفديته ... بما لم تكنْ عنه النفوسُ تطيبُ
فإنْ تكنِ الأيامُ أحسنَّ مرةً ... إليَّ فقد عادتْ لهنَّ ذنوبُ
أخٌ كان يكفيني وكان يعينني ... على نائباتِ الدهرِ حين تنوبُ
عظيمُ رمادِ القدرِ رحبٌ فناؤهُ ... إلى سندٍ لم تحتجبهُ غيوبُ
سند الجبل: ما ارتفع عن الوادي وسفل عن الجبل.
والمعنى أنه يكون حيث يراه الناس إذا طلبَ لم تحتجبه غيوبٌ. والغيب: البطن المنخفض من الأرض.
وروى الأخفش: تحتجنه بالنون: أي تغيبه. والأول من الحجاب.
إذا ما ترا آهُ الرجالُ تحفظوا ... فلن تنطق العوراءُ وهو قريب
أخي ما أخي! لا فاحشٌ عند بيتهِ ... ولا ورعٌ عند اللقاءِ هيوبُ
حليفُ الندى يدعو الندى فيجيبهُ ... سريعاً ويدعوهُ الندى فيجيبُ
هو العسلُ الماذيُّ ليناً وشيمةً ... وليثٌ إذا يلْقَى العدوَّ غضوبُ
الماذي: أجودُ العسلِ وأصفاهُ.
هوتْ أمُّه ما يبعُ الصبحُ غادياً ... وماذا يردُّ الليلُ حين يئوبُ
كعاليةِ الرمحِ الردينِي لم يكنْ ... إذا ابتدرَ الخيرَ الرجالُ يخيبُ
كعالية الرمح: يريدُ كالرمحِ طولاً، كما قال: الواطئين على صدور نعالهم.
أخُو شتواتِ يعلمُ الحيُّ انه ... سيكثرُ ما في قدرهِ ويطيبُ
ليبككَ عانٍ لم يجدْ من يعينه ... وطاوِي الحشا نائي المزارِ غريبُ
كأنَّ أبا المغوارِ لم يوفِ مرقباً ... إذا ربأَ القومَ الكرامَ رقيبُ
المرقب: المكان العالي. الربيئة: الطليعة، وهو الديدبان والرقيب.
ولم يدعُ فتياناً كراماً لميسرٍ ... إذا اشتدَّ من ريحِ الشتاءِ هبوبُ
يبيتُ الندَى يا أمَّ عمرٍو ضجيعه ... إذا لم يكنْ في المنقياتِ حلوبُ
إذا شهدَ الأيسارُ أو غاب بعضهم ... كفى ذاكَ وضاحُ الجبينِ أريبُ
وداعٍ دعا يا منْ يجيبُ إلى الندى ... فلم يستجبهُ عندَ ذاكَ مجيبُ
فقلتُ ادعُ أخرى وارفعِ الصوتَ دعوةً ... لعلَّ أبا المغوارِ منكَ قريبُ
يجبكَ كما قدْ كان يفعلُ إنهُ ... نجيبٌ، لأبوابِ العلاءِ طلوبُ
وإني لباكيهِ وإني لصادِقٌ ... عليه، وبعضُ القائلينَ كذوبُ
فتى أريحيٌّ كانَ يهتزُّ للندى ... كما اهتزَّ ماضي الشفرتينِ قضيبُ
قصيدة للمتلمس
وقال الملتمس، واسمه جرير بن عبد العزى، ويقال ابن عبد المسيح بن عبد الله بن دوفن بن حرب بن وهب بن جلي ابن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.
قال ابن السكيت وابن الأعرابي: كان المتلمس مكث في أخواله بني يشكر حتى كادوا يغلبون على نسبه، فسأل الملك - عمرو بن هند، وهو مضرط الحجارة، وهو المحرق - الحارث بن التوأم اليشكري عن المتلمس وعن نسبه فأراد الحارث أن يدعيه. قال أبو عبيدة: كان جواب الحارثة عنه أنه أواناً يزعم أنه من بني ضبيعة وأواناً يزعم أنه من بني يشكر. فقال عمرو إلا كالساقط بين الفراشين. فبلغ ذلك المتلمس؛ فقال يذكر نسبه ويثبته:
يعيرني أمي رجالٌ ولا أرى ... أخا كرمٍ إلا بأن يتكرما
ومنْ كان ذا عرضٍ كريمٍ فلم يصنْ ... لهُ حسباً كانَ اللئيمَ المذمما
ويروى: الملوما. ويروى: ومن كان ذا مالٍ كثير. والعرض: موضع المدح والذم من الرجل. يقال: إنه كريم العرض، ولئيم العرض. والعرض: الجسد. يقال: إنه لطيب العرض وخبيث العرض. والحسب: كرم الفعل من الإنسان وإن لم يكن له أبٌ في الشرف والمجد. ويقال: افعل ذلك على حسب ما ترى؛ أي على قدره مفتوح.
أحارثُ إنَّا لو تساطُ دماؤنا ... تزايلنَ حتى لا يمسَّ دمٌ دمَا
أمنتفيَا منْ نصرِ بهثةَ خلتني ... ألا إنني منهم وإنْ كنتُ ينما