مختارات شعراء العرب - ابن الشجري - الصفحة ٣٨
حتى جبهناهم بكأسٍ مرةٍ ... فيها المثملُ ناقعاً فليشربوا
المثمل: السم المصفى.
ولقد أتاني عن تميمٍ أنهم ... ذئروا لقتلي عامرٍ وتغضبوا
ذئروا: فزعوا. وقيل: غضبوا. وقيل: نفروا.
رغمٌ لعمرُ أبيكَ عندي هينٌ ... إني يهونُ عليَّ ألا يعتبوا
أي لا يرجعُ لهم إلى العتبى.
وغداةَ صبحنَ الجفارَ عوابساً ... تهدي أوائلهنَّ شعتٌ شزبُ
الشازب والشاسبُ: الضامر. والجفار: ماء لبني تميم تدعيه بنو ضبة.
لما رأونا والمعابل وسطهم ... والخيلُ تبدو تارةً وتغيبُ
تبدو: أي تظهر إذا خرجت من الغبار. وتغيب: إذا دخلت فيه. والمعابل: السهام، واحدها معبلة.
ولوا وهنَّ يجلنَ في آثارهم ... شللاً وبالطناهم فتكبكبوا
شللاً: طرداً. والمبالطة: الجلاد بالسيوف. وتكبكبوا: اجتمعوا فصاروا كبكبةً واحدة.
سائلْ بنا حجر ابن أمِّ قطامِ إذْ ... ظلتْ به السمرُ النواهلُ تلعبُ
يعني حجرا أبا امرئ القيس. والنواهل: التي قد رويتْ من الدم. والنهل: الشرب الأول.
فليبكهمْ من لا يزالُ نساؤهم ... يومَ الحفاظِ يقلنَ أينَ المهربُ
الحفاظ: الصبر والمحافظة.
صبراً على ما كانَ من حلفائنا ... مسكٌ وغسلٌ في الرءوسِ يشيب
حلفاؤهم: يعني فزارة، وأنهم قتلوا وكان هذا حنوطهم. والغسل: الخطميِّ، وورق السدر. ويسيب: يخلط.
هذا آخر ما اخترته من شعر عبيد، والحمد لله وصلى الله على رسوله محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
القسم الثالث
مختار شعر الحطيئة وأخباره
بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين
قال أبو حاتم سهل محمد السجستاني: أخبرنا الأصمعي، قال: كان من حديث الحطيئة والزبرقان بن بدر البهدلي أن الزبرقانَ خرج يريد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سنة مجدبة ليؤدي إليه صدقات قومه، فلقي الحطيئة بقرقرى، ومعه امرأتان أو امرأةٌ وابنان يقال لأحدهما سوادة وللآخر إياس، وبنات له.
فقال له الزبرقان: أين تريد؟ فقال: العراق، حطمتني السنة. فقال له: هل لك في جوارٍ كريم ولبنٍ كثير وتمر؟ قال: ما أرجو هذا كله.
قال له الزبرقان: فإن لك هذا. فسر إلى أم شذرة امرأتي، وهي بنت صعصعة، وهي عمة الفرزدق.
فكتب إليها أن أحسني إليه، وأكثري له من التمر واللبن.
فقدم عليها، وكان دميماً سيئ الحال، لا تأخذه العين، ومعه عيال كثير. فلما رأته هان عليها، وقصرت به. فرأى ذلك بنو أنف الناقة، وهم بيت سعد، فأرسلوا إليه أن ائتنا، فنحن خير لك، وكتموا المرأة اسمه، فلم تعرفه.
وكانوا إذا دعوه إلى أنفسهم يأبى ويقول: إن من رأى النساء التقصير والغفلة؛ ولست أحمل على صاحبي ذنبها.
وألح عليه شماس بن لأي، وبغيض، والمخبل - وكان المخبل سليط اللسان، وهو ابن عمهم - وعلقمة بن هوذة؛ وكان علقمة أشد القوم إلحاحاً عليه، لشعرٍ قاله الزبرقان فيه؛ وهو قوله:
لي ابنُ عمٍّ لا يزا ... لُ يعيبني ويعنيُ عائب
وأعينهُ في النائبا ... تِ ولا يعين على النوائب
تسري عقاربه إل ... يَّ ولا تنبهه عقاربْ
لاهِ ابنُ عمكَ ما تخا ... فُ الجازياتِ من العواقب
وكان علقمة ممتلئاً غيظاً عليه لهذا الشعر. وكان الآخرون ممتلئين حسداً وبغياً. فأما حماد الراوية فزعم أن الملح عليه بغيض.
فمكث الحطيئة بتلك الحال أشهراً، والزبرقان بالمدينة.
ثم إن امرأة الزبر قان استأنفت العشب فتحملتْ؛ وقالت للحطيئة: أرد عليك الإبل، فتركته يومين وليلتين. فاغتنم ذلك بنو شماس - وهم بنو أنفِ الناقة - فأتوه، فقالوا له: احتمل أيها الرجل. فقال: أما الآن فنعم.
فأتاه بغيض بن عامر بن شماس - وكان شريفاً - فاحتمله حتى أتى به أهله، فأكثروا له من التمر واللبن، وأعطوه لقاحاً وكسوة - قال: اللقاح، واللقحُ واحدتها لقحةٌ ولقحةٌ ولقوح - وهي الحلوب - وأبطأ عليهم أن يهجو الزبرقان.
والزبرقان من بني بهدلة، وكان في بني بهدلة قلةٌ، ولم يكونوا إلى هؤلاء ولا قريباً، غير أن الزبرقان قد كان بنفسه شريفاً منيعاً، عضب اللسان، فحضضوا الحطيئة عليه. فقال: لست بهاجيه ولا ذنبَ له فيما صنع امرأته، ولكني ممتدحكم، وذاكر ما أنتم له أهل.