مختارات شعراء العرب - ابن الشجري - الصفحة ٥٣
وقال يمدح بشر بن ربيعة بن قرط بن عبيد بن أبي بكر بن كلاب:
أبوك ربيعةُ الخيرِ بن قرط ... وأنتَ المرءُ يفعلُ ما تقول
أغرُّ كأنما حدبتْ عليهِ ... بنو الأملاكِ تكنفها القيولُ
تصدُّ مناكب الأعداءِ عنه ... كراكرُ من أبي بكرٍ حلولُ
كراكرُ لا يبيدُ العزُّ منها ... ولكنّ العزيزَ بها ذليلُ
كراكر: جماعات.
خرج زيد الخيل يتطرف، فلقي الحطيئة وكعب بن زهير بن أبي سلمى، ورجلاً من بني بدر، وهم يتصيدون، فأخذهم.
فأما الحطيئة فقال: والله ما عندي من مالٍ فأعطيكَ، وما هو إلا لساني؛ فأطلقه فمدحه.
وأما كعب فأعطاه فرساً. وأما البدري فأعطاه مائة ناقة، فقال الحطيئة:
إلا يكنْ مالٌ يثابُ فإنه ... سيأتي ثنائي زيداً بنَ مهلهلِ
فما نلتنا غدراً ولكنْ صبحتنا ... غداةَ التقينا في المضيقِ بأخيلِ
بأخيل: جمع خيل.
تفادى كماةُ الخيلِ من وقعِ رمحه ... تفادي خشاشِ الطيرِ من وقعِ أجدلِ
تفادى: يستتر بعضها ببعض من الخوف. والخشاش: الذي يأكل اللحم ولا يصيدُ. والأجدل: الصقر.
فأعطتكَ منا الودَّ يومَ لقينا ... ومن آلِ بدرٍ وقعةٌ لم تهللِ
لم تهلل: لم تجبن.
ذكروا أنه قيل للحطيئة حين حضرته الوفاة: أوص. فقال: أبلغوا أهلَ الشماخ أنه أشعر العرب.
فقيل له: اتقِ الله؛ فإن هذا لا يرد عليك، فأوصِ. قال: المالُ للذكور من أولادي دون الإناث.
قيل: اتق الله وأوصِ؛ فقال:
قد كنتُ أحياناً شديدَ المعتمدْ ... قد كنتُ أحياناً على الخصمِ الألدّ
قد رددتُ نفسي وما كادتْ تردّ قالوا: اتقِ الله وأوصِ. فقال: أوصيكم بالشعر؛ ثم قال:
الشعرُ صعبٌ وطويلٌ سلمهْ ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمهْ
زلتْ به إلى الحضيضِ قدمهْ ... والشعرُ لا يسطيعه منْ يظلمهْ
يريد أن يعربه فيعجمه ... منْ يسمِ الأعداءَ يبقَ ميسمهْ
فقيل له: أوصِ للمساكين. فقال: أوصيهم بالمسألة. قالوا: فعبدك يسار أعتقه. قال: هو عبدٌ ما بقيَ على الأرض عبسيٌّ.
وقال في منافرةِ عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة حين تنافرا إلى هرم بن قطبة وكان الحطيئة يفضل علقمة على عامر ويمدحه، وكان الأعشى يمدح عامراً ويهجو علقمة، فقال الحطيئة:
يا عامِ قد كنتَ ذا باعٍ ومكرمةٍ ... لو أنَّ مسعاةَ منْ جاريتهُ أمَم
أمَم: قصد؛ أي ليس بقصدٍ، ولكنه فوقَ القصد.
جاريتَ قرماً أجادَ الأحوصان به ... طلقَ اليدينِ وفي عرنينه شمم
لا يصعبُ الأمرُ إلا ريثَ يرْكبه ... ولا يببيتُ على مالِ له قسَم
ومثلهُ من كلابٍ في أرومتها ... يعطي المقاليدَ أو يرمَى له السلمُ
هابتْ بنو مالكٍ مجداً ومكرمةً ... وغايةً كان فيها الموتُ لو قدموا
وما أساءُوا فراراً عن مجلية ... لا كاهنٌ يمترِي فيها ولا حكمُ
وقال في الوليد بن عقبة بن أبي معطي حين شهد عليه أهل الكوفة - وهو عاملها - أنه شرب الخمر وصلى بهم الغداة أربعاً وهو سكران، وقال وهو في الصلاة: أأزيدكم؟ فاستعدوا عليه عثمان فعزله، وكان أخاه لأمه؛ أمهما أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب ابن عبد شمس؛ وأمها أم حكيم بنت عبد المطلب عمة النبي عليه السلام.
شهد الحطيئةُ حين يلقَى ربهُ ... أن الوليدَ أحقُّ بالعذرِ
خلعوا عنانكَ إذ جريتَ ولوْ ... تركوا عنانكَ لم تزلْ تجري
ورأوا شمائلَ ماجدِ متبرعٍ ... يعطِي على الميسورِ والعسرِ
فنزعتَ مكذوباً عليكَ ولمْ ... ترددْ إلى عوزٍ ولا فقرٍ
قال المفضل: ومن الرواة من يزعم أنه إنما قال:
شهد الحطيئةُ حين يلقَى ربهُ ... أنَّ الوليدَ أحقُّ بالعذْرِ
نادَى وقد كملتْ صلاتهمُ ... أ أزيدُ كمْ ثملاً وما يدرِي
ليزيدهمْ خيراً ولو قبلوا ... لقرنتَ بين الشفعِ والوترِ
فأبوا أبَا وهبْ ولو فعلوا ... زادتْ صلاتهمُ على العشرِ
كفوا عنانكَ إذ جريتَ ولو ... خلوْا عِنانكَ لم تزلْ تجرِي
وقال في ذلك بعض شعراءِ الكوفة:
تكلمَ في الصلاةِ وزادَ فيها ... مجاهرةً وعالنَ بالنفاقِ
ومجَّ الخمرَ في سننِ المصلَّى ... ونادى والجميعُ إلى افتراقِ