مختارات شعراء العرب - ابن الشجري - الصفحة ٤١
أقول بها قذًى فأعتلُّ بذاك. يقول: بكيتُ - وقبيح بالشيخ أن يبكي - اعتللت على من يحضرني.
لعمرك ما رأيتُ المرءَ تبقي ... طريقته وإن طالَ البقاءُ
على ريبِ المنونِ تداولتهُ ... فأفنتهُ وليس له فناءُ
ريب المنون: ما يريبك من أحداثها. والمنون: الموت. قال أبو الهيثم: المنون يذكر ويؤنث. قال: وجعل الفعل للمنون دونَ الريب الذي أضافهُ إليها.
إذا ذهبَ الشبابُ فبانَ منهُ ... فليسَ لما مضي منه لقاءُ
يصبُّ إلى الحياةِ ويشتهيها ... وفي طولِ الحياةِ له عناءُ
يصبُّ: يأخذه لها صبابة؛ أي رقة. والعناءُ: المشقة.
فمنها أنْ يقادَ بهِ بعيرٌ ... ذلولٌ حين تهترشُ الضراءُ
أي فمنم المشقة؛ ذهب إلى المشقة دون العناء. أي قاد به بعيرٌ ذلول لا يفزع إذا اهترشت الكلابُ؛ أي يختارُ له بعير هذه صفته لئلا يحركه لكبره.
ومنها أن ينوء على يديه ... لينهض في تراقيه انحناء
أي يعتمد على يديه ليقوم وقد تحنت تراقيه لكبره. قال: والشيخ إذا أسن التقت ترقوتاه، يعني أنه تقرب إحداهما من الأخرى.
ويأخذه الهداجُ إذا هداهُ ... وليدُ الحيِّ في يده الرداءُ
هداه وليد الحي: قاده وأمسك بردائه من الكبر. والهداج والهدجان والهدجة والهدج: مقاربة الخطو ومداركته. قال هميان: جاءوا شماطيط وجئت هدجاً.
وينظرُ حوله فيرى بنيهِ ... حواءً حالَ دونهمُ حواءُ
الحواء: عشرة أبيات إلى الثلاثين. يقول: يكثرون حوله، لأنه قد أسنَّ.
ويحلفُ حلفةً لبني أبيه ... لأنتم معطشونَ وهمْ رواءُ
يروى: لبني بنيه. يقول: يختلط ويخرف فيخلطُ في كلامه. والمعطش: الذي دوابه عطاش. وكذلك المهزل: الذي دوابه مهازيل. والمغد: الذي بدوابه الغدة. وكذلك المصبح، والممرض.
قال: يقول لهم إبلكم وشاؤكم عطاش، وهي رواءٌ.
ويأمر بالركابِ فلا تعشى ... إذا أمسى وإن قربَ العشاءُ
يقول: احبسوها عن العشاءِ؛ وهذا من اختلاطه.
تقولُ له الظعينةُ أغنِ عنِّي ... بعيركَ حينَ ليس بهِ غناءُ
لا غناءَ عنده لضعفه فلا يقوَى على حبس البعير.
ألاَ أبلغْ بني عوفِ بن كعبٍ ... فهل حيٌّ على خلق سواءُ
يقول: أرى أخلاقكم مختلفة؛ فقد فضلكم هؤلاء.
عطاردها وبهدلةَ بن عوف ... فهل يشفي صدوركمُ الشفاءُ
يقول: هل يشفي صدوركم أن أبين لكم القصة؛ أي أبين لكم ما فعل بي.
ألمْ أكُ نائياً فدعوتموني ... فجاء بي المواعدُ والدعاءُ
ألمْ أكُ جاركم فتركتموني ... لكلبي في دياركمُ عواءُ
وآنيتُ العشاءَ إلى سهيل ... أو الشعرى فطال بي الأناء
آنيت إيناءً: انتظرت وتمكثت. والأناءُ: الاسم؛ أي طال تمكثي وانتظاري لخيركم.
ألمْ أكُ جاركم ويكونَ بيني ... وبينكمُ المودةُ والإخاءُ
ولما أنْ أتيتكمُ أبيتمْ ... وشرُّ مواطنِ الحسبِ الإباءُ
ولمَّا أَنْ أتيتُهمُ حبوني ... وفيكمُ كان لو شئتمْ حباءُ
ولمَّا أنْ مدحتُ القومَ قلتُم ... هجوت، وهل يحلُّ لي الهجاءُ
فلم أشئتمْ لكمْ حسباً ولكنْ ... حدوت بحيث يستمعُ الحداءُ
حدوت: رفعت صوتي بمدحهم.
فلا وأبيكَ ما ظلمتْ قريعٌ ... بأن يبنوا المكارمَ حيث شاءوا
يقال للرجل: ما ظلم أن أشبهَ أباه، وليس منْ تظالم الناس؛ إنما هو مثل ظلم السقاء، ومظلوم التراب.
ولا وأبيكَ ما ظلمتْ قريعٌ ... ولا عنفوا بذاك ولا أساءوا
ما عنفوا بذاك: أي بالأمر الذي كسبوا به المحامد.
بعثرةِ جارهمْ أن ينعشوها ... فيغبر بعدها نعمٌ وشاءُ
يقول: يعطونه عطيةً ينجبر بها وتذهب مصيبته، فيبقى له مالٌ بعدُ من إبلٍ وشاءٍ.
فيبني مجدها ويقيمُ فيها ... ويمشي إنْ أريدَ به المشاءُ
يمشي: تكثر ماشيته. يقال: مشيت إبل بني فلان تمشى مشاءً: نمت وكثر نسلها. ويبني مجدها: يعني مجد النعم عن أبي الهيثم.
وإن الجارَ مثلُ الضيفِ يغدو ... لوجهتهِ وإنْ طالَ الثواءُ
يقول: الجارُ، وإنْ طال مقامه، كالضيف يغدو لوجهتهِ التي كان فيها، ويبقى عيبه وحديثه.
وإني قد علقتُ بحبلِ قومِ ... أعانهم على الحسبِ الثراءُ