مختارات شعراء العرب - ابن الشجري - الصفحة ٣٩
وأما حماد الراوية فقال: قالوا له أبطأت أن تسمع شباننا بعض ما يتغنون به من شتم هذا الكلب. فقال: قد أبيتُ عليكم أهون من شتمه، ولا ذنبَ له فيما أتتْ به امرأته؛ ولكن إن شئتم مدحتكم؛ فأنتم أهل ذاك.
فقالوا: ما مدنا من لم يشتم الزبرقان؛ ولم يقصروا في كرمته.
فلما أكثروا عليه قال يمدحهم، ويعرض بهجو الزبرقان وقومه؛ والقصيدة:
ألا أبلغ بني كعبٍ رسولاً ... فهل قومٌ على خلقٍ سواءُ
وأما أولها عندي فعلى غير هذا.
قال أصحابنا: فلما قدم الزبرقان على أهله سأل عن الحطيئة، فقالوا: تحول إلى بغيض، فأتاهم، فقال: ضيفي، وأنا أرسلته إلى امرأتي، ولكن كان منها الجهل. فقالوا: ما هو لك بضيف، وقد أهنته وطردته، فتلاحوا حتى كان بينهم تناصٍ وشجاج - تناصٍ: أخذٌ بالنواصي - فاستعدى عليهم الزبرقان عمر بن الخطاب رحمة الله عليه. فقال: ليذهب إلى أي الحيينِ أحب؛ فإنه مالكٌ لنفسه.
فلما رأى الزبرقان أنه اختار عليه أرسل إلى رجلٍ من النمر بن قاسط، يقال له دثار بن سنان؛ فهجا بغيضاً وبني قريع؛ فقال:
أرى إبلي بجوف الماءِ حنتْ ... وأعوزها به الماءُ الرواءُ
الماء الرواءُ: الكثير: قال الراجز:
يا إبلي ما ذامُه فتأبيه ... ماءٌ رواءٌ ونصيٌّ حوليهْ
وقد وردتْ مياه بني قريعٍ ... فما وصلوا القرابة مذْ أساءوا
تحلأُ يومَ وردِ الناسِ إبْلِي ... وتصدرُ وهي محنقةٌ ظماءُ
ألمْ أكُ جاهَ شماسِ بن لأيٍ ... فأسلمَ حين أنْ نزلَ البلاءُ
فقلتُ تحولي يا أمَّ بكر ... إلى حيثُ المكارمُ والعلاءُ
وجدنا بيتَ بهدلة بنِ عوفٍ ... تعالى سمكهُ ودَجَا الفناءُ
دَجَا: من قولهم: عيش داج إذا كان خافضاً ساكناً. والفناء: ما امتد مع الدار من جوانبها.
وما أضحى لشماسِ بنِ لأي ... قديم في الفعال ولا رباءُ
سوى أن الحطيئةَ قال قولاً ... فهذا منْ مقالكم جزاءُ
وقال دثار بن سنان أيضاً:
دعاني الأثبجانِ ابنا بغيضٍ ... وأهلِي بالفلاةِ فمنياني
الثبجة: الحدبة في الصدر.
وقالا سرْ بأهلكَ فأتينَّا ... إلى حب وأنعامٍ سمان
فسرتُ إليهمُ عشرينَ شهراً ... وأربعةً فذلكَ حجتان
فلمَّا أنْ أتيتُ بني بغيضٍ ... وأسلمني لدائي الداعيان
يبيت الذئب والعثواءُ ضيفاً ... لنا بالليل بئسَ الضائفان
أمارسُ منهما ليلاً طويلاً ... أهجهجُ عن بنيَّ ويعروانِ
يروى: ويغشيان.
تقولُ حليلتي لما اشتكينا ... سيدركنا بنو القرمِ الهجان
سيدركنا بنو القمر ابن بدرٍ ... سراجُ الليلِ للشمس الحصان
فقلتُ ادعي وأدعُ فإنَّ أندَى ... لصوتِ أن ينادِيَ داعيان
ويروى: فقلت ادعي وأدعو إن أندى. ومعنى الأول: فقلت: ادعي ولأدعُ؛ فلذلك جزمه. ويقال: فلان أندى صوتاً من فلان؛ أي أبعد مذهباً
فمنْ يكُ سائلاً عني فإني ... أنا النمريُّ جارُ الزبرقانِ
طريدُ عشيرةٍ وطريدُ سربٍ ... بما اجترمتْ يدي وجنى لساني
كأني إذ حللتُ به طريداً ... حللتُ على الممنعِ من أبانِ
أبان: جبل. والمنع: العالي الذي يمتنع من أن يبلغه أحد.
أتيتُ الزبرقان فلم يضعني ... وضيعني بتريمَ من دعاني
فلما بلغ ذلك الحطيئة هجا الزبرقان، فقال: واسم الحطيئة جرول بن أوس بن جؤية بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس، وكنيته أبو مليكة.
والله ما معشرٌ لاموا امرأً جنباً ... في آلِ لأي بن شماسِ بأكياسِ
الجنب، والجانب، والأجنب، والأجنبي: الغريب. قال القطامي في الجانب:
فسلمتُ والتسليمُ ليس يسرها ... ولكنه حقُّ على كلِّ جانب
لقد مريتكم لو أن درتكم ... يوماً يجئ مسحي وإبساسي
المري: أن تمسح ضرع الناقة بيدك لتدر؛ فضربه مثلاً؛ أي قد رفقتُ بكم فلم يجيء رفقي بخير. والإبساس: دعاء الناقة، وهو أن يقول: بس بس.
وقد مدحتكم عمداً لأرشدكم ... كيما يكون لكم متحي وإمراسي