مختارات شعراء العرب

مختارات شعراء العرب - ابن الشجري - الصفحة ٢٨

شديد الأسرِ يحملُ أريحياً ... أخا ثقةِ إذا الحدثانُ نابا
أريحي: يراح إلى المعروف: يرتاح إليه.
صبوراً عند مختلفِ العوالي ... إذا ما الحرب أبرزتِ الكعابَا
وطال تشاجر الأبطالِ فيها ... وأبدتْ ناجذاً منها ونابا
الناجذ: السن بين النابِ والضرس. وقيل الأضراسُ كلها نواجذ.
يعز علي أن ألقَى المنايا ... ولما ألقَ كعباً أو كلابا
كعب وكلاب: ابنا عمر، وهم قتلوا بشراً.
ولما ألقَ خيلاً من نمير ... تضب لثاتها تبغي النهابا
تضب لثاتها مثلٌ؛ يقال لكل من اشتد حرصه: دمى فوه، وإن لثته لتضبُّ. وصف الخيل بشدة شهوتها للقاءِ. والمعنى لأصحابها.
ولما يختلط قومٌ بقومٍ ... فيطعنوا ويضطربوا اضطرابا
فيا للناس إنَّ قناة قومي ... أبت بثقافها إلا انقلابا
الثقاف: الذي تسوى به القناة.
يقول: نحن إذا غمزنا انقلبنا كما تنقلب القناة إذا صلبت. ويقال للرجل لا ينكسر من أمر يصيبه ولا يضعف فيه: إنه لصلبُ القناة، وإنه لصلبُ العود؛ أي صلب البدن، شديد القلب.
هم جدعوا الأنوفَ فأوعبوها ... وهم تركوا بني سعد يبابا
أوعبوها: استأصلوها. جدعه الله جدعاً وعيباً، أي مستأصلاً. واليباب: الخراب.
مختار شعر عبيد بن الأبرص الأسدي
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كان من حديث عبيد بن الأبرص أنه كان رجلاً محتاجاً، فأقبل ذات يوم، ومعه غنيمةٌ له، وأختٌ له تدعى ماوية ليورد غنمه، فمنعه رجل من بين مالك بن ثعلبة، وجبههُ؛ فانطلق حزيناً مهموماً للذي صنع به المالكي، حتى أتى شجرات فاستظل تحتهنَّ، فقالَ هو وأخته، فزعموا أن المالكي نظر إليه وإلى جنبه أخته، فقال:
ذاك عبيدٌ قد أتى ماويا ... يا ليته ألقحها صبيا
فحملت فوضعت ضاويا
فسمعه عبيد، فرفع يده، قال: اللهم إن كان ظلمني فلان ورماني بالبهتان فأدلني منه، وانصرني عليه. ثم وضع يده تحت رأسه فنام، ولم يكن قبل ذلك يقول الشعر.
فزعموا أنه أتاه آت في المنام بكبةٍ من شعر فألقاها في فيه ثم قال له: قم، فقام وهو يرتجز ببني مالك، وكان يقال لهم بنو الزنية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتوه: من أنتم؟ قالوا: نحن بنو الزنية؟ فقال: بل أنتم بنو رشدة.
قال: وكان من حديث عبيد وقتله: أن المنذر بن ماء السماء بني الغريينِ، فقيل له: ما تريد إليهما، وكان بناهما على قبري رجلين من بني أسدٍ كانا نديميهِ؛ أحدهما خالد بن نضلة الفقعسي، والآخر عمرو بن مسعود، فقال: ما أنا بملكٍ إن خالف الناس أمري؛ لا يمر أحد من وفود العرب إلا بينهما. وكان له يومٌ في السنة يذبح فيه أول من يلقاه.
فبينا هو يسير إذ أشرف له عبيد، فقال لرجل ممن كان معه: من هذا الشقي؟ فقال: هذا عبيد بن الأبرص. فأتى به. فقال له الرجل: أبيتَ اللعنَ! اتركه، فإني أظن عنده من حسن القريض أفضل مما تدرك في قتله، فاستمع منه، فإن سمعت حسناً استزدته، وإن لم يعجبك فما أقدركَ على قتله؛ فإذا نزلتَ فادعُ به.
قال: فنزل المنذر فطعم وشرب، وبينه وبين الناس حجاب وسترٌ يراهم منه ولا يرونه.
فدعا بعيد من وراء الستر، فقال له رديفه: ما ترى با أخا بنى أسد؟ قال: أرى الحوايا عليها المنايا. قال: أفقلتَ شيئاً؟ قال: حال الجريض دون القريض.
فأبى أن ينشدهم شيئاً فأمر به فقتل.
تحاولُ رسماً من سليمى دكادكا ... خلاءً تعفيه الرياحُ سواهكا
الساهكة: التي تسهك التراب: أي تسحقه. تقول العرب: رسمٌ دكادك، وثوب شراذم، وثوب أخلاق، وأهباب، وهبب: أي متقطع. وأنشد:
جاء الشتاء وقميصي أخلاقْ ... شراذمٌ يضحكُ منه التواقْ
التواق: اسم ابنه. والدكداك: المستوى من الأرض.
تبدل بعدي من سليمى وأهلها ... نعاماً ترعاهُ وأدماً ترائكا
الترائك: بيضُ النعام، الواحدة تركية؛ يئس منها الظليم فتركها، وأنشد للأعشى:
وتلقى بها بيضَ النعامِ ترائكا
وسماها أدماً لبياضها.
أبو عمرو: وترعاه: ترعى فيه مرةً بعد مرةٍ. والأدم: الظباءُ البيض.
وقفتُ بها أبكي بكاء حمامةٍ ... أراكيةٍ تدعو الحمام الأواركا
أراكية: تكون في شجرِ الأراك. الأوارِك: واحدتها أركة؛ وهي التي قد لزمت موضعها. ويقال: هي المقيمة في الأراك.