مختارات شعراء العرب - ابن الشجري - الصفحة ١٢
والعقب: الولد الذين يأتون من بعد. وعقب كل شيء آخره. وقوله: فما أجررت: أصل الإجرار أن يشق ظهر لسان الفصيل والجدي حتى لا يرضع، وأنشد:
كما خلَّ ظهرَ اللسانِ المجرَ
والتفليك: أن يثقب لسانه ويجعل فيه خيط من شعر ويعقد طرفه كالفلكتين فيمنعه أيضاً من الرضاع. فالمعنى لم يربط لساني عن الكلام، فضرب الإجرار مثلاً للسكوت.
لأورثَ بعدي سنةً يهتدى بها ... وأجلو عن ذي شبهةٍ إن توهما
أرى عصماً في نصرِ بهثةَ دائياً ... ويدفعني عن آلِ زيدِ فبئس ما
عصم: رجل من بني ضبيعة: قال للمتلمس: أنت من بني يشكر ولست منا.
المعنى: ينتسب عصم إليهم وينفيني عنهم. وقوله: فبئسما أي بئسما يفعل.
إذا لم يزل حبل القرينين يلتوي ... فلا بد يوماً من قوى أن تجلما
القرينانِ: بعيران يقرنان في حبل. ضرب ذلك مثلاً له ولعصم. يقول: إذا كان الرجلان كل واحدٍ منهما ينادي صاحبه فلا بد لأحدهما أن يغلب الآخر.
إذا ما أديم القوم أنهجه البلى ... تفرى، وإن كتبته، وتخرما
أديم كل شيء: جلده. وأنهجهُ: أخلقه. يقال: نهج الثوب وأنهجَ، ومحَّ وأمحَّ: أي خلق. وتفرى: تمزق. وكتبته: خرزته. والكتب: الخرز، يقال: اكتبها: أي اخرزها. وتخرم؛ تفتق.
وللمتلمس
قال ابن الأعرابي: أخبرني أبو جعفر محمد بن حبيب عن أبي المنذر هشام بن محمد الكلبي النسابة أن المتلمس إنما سمي بهذا اللقب لقوه:
وذاك أوان العرض حيَّ ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمس
قال أبو محمد القتبي: كان المتلمس ينادم عمرو ابن هند ملك الحيرة هو وطرفة بن العبد، فهجواه فكتب لهما إلى عامله بالبحرين كتابين أوهمهما أنه أمر لهما فيها بجوائز، وكتب إليه يأمره بقتلهما، فخرجا حتى إذا كانا بالنجف إذا هما بشيخ على الطريق في يده خبزٌ يأكل منه وهو يحدث ويتناول القمل من ثيابه فيقتله. فقال المتلمس: ما رأيتُ كاليوم قط شيخاً أحمق.
فقال الشيخ: وما رأيت من حمقي! أخرج خبيثاً، وأدخل طيباً، وأقتل عدواً. أحمق والله مني من يحمل حتفه بيده.
فاستراب المتلمس بقوله؛ وطلع عليهما غلام من أهل الحيرة، فقال المتلمس: أتقرأ يا غلام؟ قال: نعم. ففك صحيفته ودفعها إليه؛ فإذا فيها: أما بعد فإذا أتاك المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حياً.
فقال لطرفة: ادفع إليه صحيفتك يقرؤها، ففيها والله ما في صحيفتي.
قال طرفة: كلا، لم يكن ليجترئ عليَّ. فقذف المتلمس صحيفته في نهر الحيرة وقال
قذفت بها بالثني من جنب كافرٍ ... كذلك أقنو كل قط مضلل
رضيتُ لها بالماءِ لما رأيتها ... يجولُ بها التيارُ في كل جدولِ
كافر نهر كان بالحيرة. وأقنو: أقتني. والقط: الكتاب.
وأخذ نحو الشام، وأخذ طرفة نحو البحرين، فقتله عاملها، فضرب المثل بصحيفة المتلمس، وحرم عمرو بن هند حب العراق على المتلمس، وقال حين هرب إلى الشام:
يا آل بكرٍ ألا للهِ أمكم ... طال الثواءُ وثوبُ العجزِ ملبوسُ
أغنيتُ شأني فأغنوا اليومَ شأنكمُ ... واستحمقوا في ذكاءِ الحرب أو كيسوا
إن العلافَ ومنْ باللوذِ من حضن ... لما رأوا أنه دينٌ خلابيس
قيل علاف هو ربان بن جرم بن حلوان. خلابيس اختلاط وغدر وفساد ليس بتام. وبرق خلابيس: لا مطر معه. وخلق خلابيس: إذا كان على غير استقامة، على المكر والخديعة.
ردوا عليهم جمال الحي فاحتملوا ... والضيم ينكره القوم المكاييس
يروى: شدوا الرحال على بزلٍ مخيسة.
ويروى:
شدوا الجمالَ بأكوارٍ على عجلٍ ... والظلمُ ينكرهُ القومُ الأكاييسُ
الأكوار والكيران: الرحال، واحدها كور. أبو عبيدة: هو الرحل بأداته. وواحد المكاييس مكياس؛ وهو الذي لا يزال يجيء بالكيس. والبزل: جمع بازل؛ وهو الذي أتى عليه تسع سنين. يقال: جملٌ بازلٌ وناقة بازل؛ سمي بازلاً لأن نابه بزل اللحم فخرج. مخيسة: مذللة. ولا يقال للصغير مخيسٌ، وإنما يقال ذلك للمسن.
كونوا كسامة إذ شعفٌ منازله ... ثم استمرتْ به البزلُ القناعيسُ