الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٣٠٠
ليكفنّ الحارث بن الحكم عن بعض كلامه أو ليأتيه مني شيء لا قبل له به والسلام.
ثم كتب في أسفل كتابه هذه الأبيات:
إنّ مروان أبت لي رحمة ... قطعة الدهر وفي المرء زلل
يأكل الخبز وفيه نخوة ... واعتراض عن هوى وملل
منع المرء أخاه حارثا ... بالتي يسحب أذيال الخطل
غرّه حكمي وحلمي شيمة ... فارتقى فيما يسوّى ونزل
أبلغ الحارث عني مالكا ... كل شيء ما خلا صخرا جلل
فاطلب اليوم جفاي جاهدا ... وارحل الناقة فيها والجمل
ثم لا تنزع عمّا سرّني ... أنّني مرّ وحلو كالعسل
إنّ من سبّ زيادا مرة ... شرب الدهر عليه وأكل
عرضه عرضي وشيخي شيخه ... ولهذا الدهر في الناس دول
قال: فلما نظر مروان إلى كتاب معاوية دعا بأخيه الحارث بن الحكم فقال له:
هلكت وأهلكت، إن معاوية قد ادّعى زيادا وهذا كتابه إليّ فارحل إليه تائبا ومعتذرا ولا تقم، فو الله ما رجع معاوية حتى كاد أن لا يرجع.
قال: فرحل الحارث بن الحكم من المدينة حتى قدم على معاوية، فلما دخل وسلم رد عليه معاوية السلام ثم أمره بالجلوس، فجلس فقال: يا أمير المؤمنين! إنا لو استقبلتنا من أمر زياد مثل الذي استدبرناه منه لاتبعنا هواك فيه، وزياد أخونا وأخوك- والسلام-. قال: فضحك معاوية ثم قال: أحسنت يا حارث! ثم أمر له معاوية بجائزة سنية، فأنشأ يقول:
إن من يقطع فينا رحمة ... فابن هند اليوم فينا قد وصل
غفر الذنب وأعطى عتبة ... فكأن ما كان منا لم يقل
سنّ في حي قريش سنة ... وضع التاج عليها فاعتدل
عبشمي [١] أموي ملكه ... آفة النحل وتسريب العلل
وله كف بها في عدله ... آفة المال وتقويم الميل
لو إلينا منتهى آجالنا ... لفديناه وزدنا في الأجل
[١] عبشمي نسبة إلى بني عبد شمس.