الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٢٧٧
وجهه: وكيف أقتلك ولا ذنب لك عندي، إني لم أردك بذلك المثل، ولكن خبرني النبي صلّى الله عليه وسلم أن قاتلي رجل من مراد، ولو أعلم أنك قاتلي لقتلتك [١] ، ولكن هل كان لك لقب في صغرك؟ فقال: لا أعرف ذلك يا أمير المؤمنين! قال علي: فهل لك حاضنة يهودية فقالت لك يوما من الأيام: يا شقيق عاقر ناقة صالح! قال: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين! قال: فسكت عليّ وركب وصار إلى منزله.
فلما كان يوم ثالث وعشرين [٢] من شهر رمضان خرج علي من منزله، فلما صار في صحن الدار كان في داره شيء من الوز، فتصايح الوز في وجهه، فقال علي رضي الله عنه: صوائح تتبعها نوائح. فقال له ابنه الحسين: يا أبة! ما هذه الطيرة؟
فقال: يا بني! لم أتطير، ولكن قلبي يشهد أني مقتول في هذا الشهر. قال: وجاء علي رحمه الله إلى باب دار مفتحة ليخرج، فتعلق الباب بمئزره فحل مئزره وهو يقول:
اشدد حيازيمك للموت [٣] ... فإن الموت لاقيكا
ولا تجزع من الموت ... فقد [٤] حلّ بواديكا
فقد أعرف أقواما ... وإن كانوا صعاليكا
مصاريع إلى النجدة ... وللغي متاريكا
قال: ثم مضى يريد المسجد وهو يقول:
خلّوا سبيل المؤمن المجاهد ... في الله لا يعبد غير الواحد
ويوقظ الناس إلى المساجد
[١] وفي خبر رواه المبرد في الكامل ٣/ ١١١٧ أن ابن ملجم سمع يقول: والله لأريحنهم منك، فأتي به ملببا، فأشرف عليهم، فقال: ما تريدون؟ فخبروه بما سمعوا، فقال: ما قتلني بعد! فخلوا عنه.
وفي خبر آخر ص ١١١٨ قيل لعلي: كأنك قد عرفته وعرفت ما يريد بك، أفلا تقتله؟ فقال: كيف أقتل قاتلي.
[٢] في الطبري وابن الأثير والبداية والنهاية: ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان. وفي شرح النهج ٢/ ١٧٥ تسع عشرة. وفي الكامل للمبرد ٣/ ١١١٨ ليلة إحدى وعشرين.
[٣] الحيزوم: ما اشتمل عليه الصدر، وجمعه حيازيم. ويقال للرجل: «اشدد حيازيمك لهذا الأمر أي وطن نفسك عليه» .
قال المبرد: والشعر إنما يصح بأن تحذف «اشدد» وتقول:
حيازيمك للموت ... فإن الموت لاقيكا
[٤] المبرد ٣/ ١١٢١ ومروج الذهب ٢/ ٤٦٥ وشرح النهج ٢/ ٣٣٩: إذا.