الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٢٢٤
عنه أسارى، وأخذوا أموالهم وأسلحتهم ودوابهم. قال: وبلغ ذلك أهل الشام فقالوا لأميرهم يزيد بن شجرة: أيها الأمير! ما ترى؟ أترجع إلى إخواننا فتستنقذهم من أيدي أهل العراق؟ فقال يزيد بن شجرة: لا أرى ذلك لكم رأيا، لأني لا أدري أتكون لنا أم علينا. قال: فكاعت أهل الشام عن أهل العراق.
فأقبل معقل بن قيس راجعا إلى الكوفة، فأخبر عليا بما كان من أمر القوم، فقال علي كرم الله وجهه لأصحابه: احبسوا هؤلاء الأسارى، فإن لنا في يد معاوية أسارى، فإذا أطلقهم أطلقنا نحن هؤلاء إن شاء الله. قال: وسار يزيد بن شجرة إلى معاوية فأخبره بحاله وقصته، فقام إلى معاوية قوم من عشائر المحبسين بالكوفة، فقالوا: يا أمير المؤمنين! إن إخواننا لو كانوا ماتوا أو قتلوا لاحتسبناهم، ولكنهم أسارى بالعراق في حبس علي رضي الله عنه فما الحيلة في ذلك؟ فقال لهم معاوية: اسكتوا! فلستم بأحرص على تخليصهم مني ولا تعجلوا.
قال: ثم بعث أيضا معاوية برجل من أصحابه يقال له الحارث بن نمر [١] التنوخي في ألف رجل من حماة أهل الشام وأمره بالغارة على بلاد الجزيرة ممن هم في طاعة علي رضي الله عنه. قال: فأقبلت خيل أهل الشام حتى بلغت تخوم صفين ودارا [٢] ، فأغاروا على قوم من بني تغلب ممن كانوا في طاعة علي رضي الله عنه، فأسروا منهم ثمانية [٣] نفر، وانصرفوا راجعين [٤] إلى الشام، وقام رجل من أهل الجزيرة يقال له عتبة بن الوعل، فجمع قومه من بني تغلب، ثم صار إلى جسر منبج [٥] ، فعبر الفرات وأغار على أوائل الشام، فغنم غنائم كثيرة ورجع إلى بلاد الجزيرة، وأنشأ يقول:
[١] كذا بالأصل وابن الأثير ٢/ ٤٢٨ وفي الغارات للثقفي ص ٣٤٦ نمير. وهو من فرسان أهل الشام.
والتنوخي نسبة إلى تنوخ، وتنوخ اسم لعدة قبائل اجتمعوا قديما بالبحرين وتحالفوا على التوازر والتناصر فأقاموا هناك فسموا تنوخا. والتنوخ: الإقامة.
[٢] دارا: بلدة من بلاد الجزيرة.
[٣] في الكامل لابن الأثير: سبعة نفر.
[٤] بالأصل: راجعون.
[٥] منبج: بلد قديم. وهي مدينة واسعة كبيرة ذات خيرات كثيرة. بينها وبين الفرات ثلاثة فراسخ.