الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٢١١
لعمرك لا ألقى مدى الدهر خالعا ... عليا بقول الأشعري ولا عمرو [١]
ولسنا نقول الدهر ذاك إليكما [٢] ... وفي ذاك لو قلناه قاصمة الظهر
ولكن نقول الأمر لله وحده [٣] ... إليه وفي كفيه عاقبة الأمر
وما اليوم إلا مثل أمس وإننا ... لفي رقرق [٤] الضحضاح أو لجة البحر
قال: وبلغ معاوية أن عمرا يريد الأمر لنفسه، فضاق لذلك ذرعا ولم يدر ما يصنع، فدعا بالمغيرة بن شعبة [٥] ، وقد كان أتاه زائرا من الطائف، فقال له:
ويحك يا مغيرة! أشر عليّ فقد بلغني أن عمرا يريد الأمر لنفسه: فقال له المغيرة:
إنه لو وسعني أن أشير عليك أو آمرك لوسعني أن أنصرك على عليّ، ولكن عليّ أن آتيك بخبر الرجلين جميعا عمرو وأبي موسى.
قال: ثم خرج المغيرة من عند معاوية وسار حتى أتى دومة الجندل، فدخل على أبي موسى كأنه زائر له فحدثه ساعة ثم قال: يا أبا موسى! ما تقول فيمن اعتزل هذا الأمر وكره هذه الدماء فلم يكن مع علي ولا معاوية؟ فقال أبو موسى: أولئك والله خيار الناس ممن قد خف [٦] ظهره من مظالم العباد.
قال: ثم تركه المغيرة وأقبل حتى دخل على عمرو بن العاص، فحدثه ساعة ثم قال: أبا عبد الله! ما تقول فيمن اعتزل هذه الدماء ولم يدخل نفسه في شيء من هذه الأمور؟ فقال عمرو: أولئك من أشرار خلق الله لا يعرفون حقا ولا ينكرون باطلا.
قال: فخرج المغيرة إلى معاوية فقال: أما أبو موسى فإنه خالع صاحبه عليا، لا أشك في ذلك على ما سمعت في ذلك من كلامه، وأما عمرو [٧] فإنني قد سمعت
[١] بعده في وقعة صفين:
فإن يحكما بالحق نقبله منهما ... وإلا أثرناها كراغية البكر
[٢] وقعة صفين: إليهما.
[٣] وقعة صفين: الأمر والنهي كله.
[٤] وقعة صفين: وشل.
[٥] خبر المغيرة بن شعبة مع معاوية- باختلاف- في الأخبار الطوال ص ١٩٨ وفي وقعة صفين ص ٥٤٠.
[٦] الأخبار الطوال: خفت ظهورهم من دماء إخوانهم، وبطونهم من أموالهم.
[٧] العبارة في الأخبار الطوال: فهو صاحبك الذي عرفته، وأحسب سيطلبها لنفسه أو لابنه عبد الله، ولا