اجوبة المسائل الشرعيّة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦ - ٧- من خلق اللَّه؟
الشأن:
لو سلّمنا لأفكار الماديين واتفقنا مثلًا مع الفيلسوف «رسل»، فهل سنسلم لهذا الإشكال؟ قطعاً لا! ... لماذا؟ لأنّ أصحاب النزعة المادية يؤمنون بقانون العلية، فهم يعتقدون بأنّ كل شيء في عالم الطبيعة معلول لآخر. وعليه يرد عليهم نفس الإشكال: إن كان كل شيء معلولًا للمادة فما معلول المادة؟ وعلى هذا الأساس (وبالنظر إلى استحالة امتداد سلسلة العلل والمعاليل إلى مالانهاية) فإنّ جميع الفلاسفة (ربّما فيهم الفلاسفة الماديون والإلهيون) يؤمنون بوجود أزلي (وجود كان موجوداً على الدوام)، غاية الأمر أنّ الماديين يزعمون أنّ هذا الوجود الأزلي هو «المادة» أو شيء مشترك بين المادة والطاقة، أمّا الموحّدون فيرون أن الوجود الأزلي هو اللَّه، ويتضح من هذا أنّ «رسل» مضطر للإيمان بوجود أزلي (وإن كان المادة). فهل لهذا الوجود الأزلي من علة؟ طبعا لا .... لماذا؟ لأنّ الوجود الأزلي موجود دائماً، والوجود الدائمي لا يحتاج إلى علّة، والوجود الذي يحتاج إلى العلة ما كان معدوماً مدّة ثم اكتسب الوجود لاحقاً (تأمل).
والنتيجة: أنّ وجود مبدأ أزلي ودائمي قول يعتقد به الجميع، والأدلة العقلية في بطلان التسلسل (سلسلة علل ومعاليل لا متناهية) جعلت جميع الفلاسفة يقرون بوجود المبدأ الأزلي. وعليه فليس هنالك من خلاف بين الفلاسفة الإلهيين والماديين في قبول أحدهما لعلة العلل وانكارها من قبل الآخر كما ظن «رسل»، بل يعتقد كلاهما بعلة العلل أو العلة الأولى.
والسؤال المطروح: إذن ما الخلاف بينهما؟ والواقع أنّ اختلافهما يكمن في أنّ الموحّدين يرون لتلك العلّة علماً وإرادة ويسمون تلك العلّة (اللَّه)، أمّا الماديون فيرونها مسلوبة العلم والإرادة ويسمونها (المادة). أمّا لماذا جهل الفيلسوف «رسل» هذا الموضوع، فلا يسعنا سوى القول أنّه مختص بالعلوم الرياضية والطبيعية وعلم الاجتماع، لا في المسائل الدينية والفلسفة الأولى (بمعنى معرفة الوجود وآثاره). ويستنتج ممّا سبق أنّ فلاسفة الدين لا يكتفون بدليل علة العلل لإثبات وجود اللَّه؛ ذلك لأنّ هذا الدليل لا يرشدنا