حکم لقمان - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٥٢
٣٩٧.الرضا عن اللّه عن سعيد بن المُسَيِّب : قالَ : فَخَرَجَ وهُوَ عَلى حِمارٍ ، وَابنُهُ عَلى حِمارٍ ، وتَزَوَّدوا ما يُصلِحُهُم مِن زادٍ ، ثُمَّ سارا أيّاماً ولَيالِيَ حَتّى تَلَقَّتهُما مَغارَةٌ ، فَأَخَذا اُهبَتَهُما لَها ، فَدَخَلاها فَسارا ما شاءَ اللّه ُ أن يَسيرا حَتّى ظَهَرا وقَد تَعالَى النَّهارُ ، وَاشتَدَّ الحَرُّ ، ونَفَدَ الماءُ وَالزّادُ ، وَاستَبطَئا حِمارَيهِما ، فَنَزَلَ لُقمانُ ونَزَلَ ابنُهُ ، فَجَعَلا يَشتَدّانِ عَلى سَوقِهِما . فَبَينا هُما كَذلِكَ إذ نَظَرَ لُقمانُ أمامَهُ ، فَإِذا هُوَ بِسَوادٍ ودُخانٍ ، فَقالَ في نَفسِهِ : السَّوادُ سَحَرٌ [١] ، وَالدُّخانُ عُمرانٌ وناسٌ . فَبَينَما كَذلِكَ يَسيرانِ إذ وَطِئَ ابنُ لُقمانَ عَلى عَظمٍ ناتِئٍ عَلَى الطَّريقِ ، فَدَخَلَ مِن باطِنِ القَدَمِ حَتّى ظَهَرَ مِن أعلاها ، فَخَرَّ ابنُ لُقمانَ مَغشِيّاً عَلَيهِ ، فَحانَت مِن لُقمانَ التِفاتَةٌ ، فَإِذا هُوَ بِابنِهِ صَريعٌ ، فَوَثَبَ إلَيهِ فَضَمَّهُ إلى صَدرِهِ ، وَاستَخرَجَ العَظمَ بِأَسنانِهِ ، وَاشتَقَّ عِمامَهً كانَت عَلَيهِ فَلاثَ بِها رِجلَهُ ، ثُمَّ نَظَرَ إلى وَجهِ ابنِهِ فَذَرَفَت عَيناهُ فَقَطَرَت قَطرَةٌ مِن دُموعِهِ عَلى خَدِّ الغُلامِ ، فَانتَبَهَ لَها ، فَنَظَرَ إلى أبيهِ وهُوَ يَبكي . فَقالَ : يا أبَتِ أنتَ تَبكي وأنتَ تَقولُ : هذا خَيرٌ لي ، كَيفَ يَكونُ هذا خَيرٌ لي وأنتَ تَبكي؟ وقَد نَفَدَ الطَّعامُ وَالماءُ ، وبَقيتُ أنَا وأنتَ في هذَا المَكانِ ، فَإِن ذَهَبتَ وتَرَكتَني عَلى حالي ذَهَبتَ بِهَمٍّ وغَمٍّ ما بَقيتَ ، وإن أقَمتَ مَعي مِتنا جَميعاً ، فَكَيفَ عَسى أن يَكونَ هذا خَيرٌ لي وأنتَ تَبكي . قالَ : أمّا بُكائي ـ يا بُنَيَّ ـ فَوَدِدتُ أنّي أفتَديكَ بِجَميعِ حَظّي مِنَ الدُّنيا ،
[١] في الدرّ المنثور : «شجر» بدل «سحر» ، وهو الأنسب .[٢] الرضا عن اللّه لابن أبي الدنيا : ص ٦٥ ح ٢٩ ، الدرّ المنثور : ج ٦ ص ٥١٤ .