موسوعة الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام - القرشي، الشيخ باقر شريف - الصفحة ١٥٣
ولمّا رأت سيّدة نساء العالمين وهن الأنصار وتخاذلهم وعدم استجابتهم لنداء الحقّ ، وجّهت إليهم أعنف اللوم وأشدّ العتب قائلة :
« ألا وقد قلت ما قلت هذا على معرفة منّي بالخذلة التي خامرتكم والغدرة التي استشعرتها قلوبكم ، ولكنّها فيضة النّفس ، ونفثة الغيظ ، وحوز القناة ، وبثّة الصّدر ، وتقدمة الحجّة ، فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظّهر ، نقبة الخفّ ، باقية العار ، موسومة بغضب الله ، وشنار الأبد ، موصومة بنار الله الموقدة ( الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ. إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ) ، فبعين الله ما تفعلون ، وسيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون ، وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، فاعملوا إنّا عاملون ، وانتظروا إنّا منتظرون » [١].
وانتهى هذا الخطاب الثوري الذي حوى جميع مقوّمات الثورة على النظام القائم ، ولا أكاد أعرف خطابا أبلغ ولا آثر منه إلاّ إنّ القوم قد تخدّرت أعصابهم فصدوا عن الطريق القويم. وعلى أي حال فقد لمس أبو بكر مدى تأثير خطاب الزهراء ٧ في نفوس الحاضرين وخاف من اندلاع الثورة فاستطاع بلباقته وقابليّاته الدبلوماسية أن يسيطر على الموقف ، وينقذ حكومته من الانقلاب فقابل بضعة الرسول ٩ بكلّ حفاوة وتكريم ، وأظهر لها أمام الملأ أنّه يخلص لها ، ويكنّ لها التقدير والاحترام أكثر ممّا يكنّه لعائشة ابنته كما أظهر لها حزنه العميق على وفاة أبيها رسول الله ٩.
وعرض لها أنّه لم يتقلّد منصب الحكم ، ولم يتّخذ معها الاجراءات الصارمة عن رأيه الخاص ، وإنّما كان عن رأي المسلمين فهم الذين قلّدوه ما تقلّد وباتّفاق منهم أخذ ما أخذ ، وبذلك فقد شارك المسلمين في إجراءاته وحمّلهم المسئولية ،
[١] أعلام النساء ٣ : ٢٠٨. بلاغات النساء : ١٢ ـ ١٩.