موسوعة الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام - القرشي، الشيخ باقر شريف - الصفحة ٨٦
وعهد النبيّ ٩ بإمارة الجيش إلى اسامة بن زيد ، وكان في شرخ الشباب ، ولم يعهد بها إلى شيوخ أصحابه ، وكان في ذلك إشعار منه بأنّ القيادة العامّة لا تخضع لكبر السنّ والتقدّم في العمر ، وإنّما تخضع للمؤهّلات والقابليات التي يتمتّع بها القائد.
وقال النبيّ ٩ لاسامة : « سر إلى موضع قتل أبيك فأوطئهم الخيل ، فقد ولّيتك هذا الجيش فاغز صباحا على أهل أبنى [١] وحرّق عليهم ، وأسرع السّير لتسبق الأخبار ، فإن أظهرك الله عليهم فأقلل اللّبث فيهم ، وخذ معك الأدلاّء ، وقدّم العيون والطّلائع معك ... ».
وحفلت هذه الوصية بالمناهج العسكرية الرائعة التي دلّت على أصالة التعاليم العسكرية في الإسلام.
وفي اليوم التاسع والعشرين من صفر رأى النبيّ ٩ جيشه قد مني بالتمرّد ، فلم يلتحق أعلام الصحابة بوحداتهم العسكرية ، فساءه ذلك وخرج مع ما به من المرض فحثّهم على المسير ، وعقد بنفسه اللواء لاسامة وقال له :
« اغز بسم الله ، وفي سبيل الله ، وقاتل من كفر بالله » ، وخرج اسامة معقودا لواؤه ، فدفعه إلى بريدة وعسكر بالجرف [٢] ، وتثاقل الصحابة من الالتحاق بالمعسكر ، وأظهروا العصيان والطعن بقيادة اسامة ، يقول له عمر :
مات رسول الله ، وأنت عليّ أمير؟
ونقلت هذه الكلمات إلى النبيّ ٩ وكانت قد ازدادت به الحمى فغضب ، وخرج وهو معصب الرأس قد دثّر بقطيفته ، فصعد المنبر وهو متبرّم ، فأعلن سخطه
[١] أبنى : ناحية بالبلقاء من أرض سوريا ، تقع بين عسقلان والرملة بالقرب من مؤتة التي استشهد فيها الشهيد الخالد جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة.
[٢] الجرف : موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو جهة الشام ، كانت به أموال لعمر بن الخطّاب ولأهل المدينة ، وفيه بعض الآبار ، جاء ذلك في معجم البلدان ٢ : ١٢٨.