كمال الدين و تمام النعمة - الشيخ الصدوق - الصفحة ٢٠٨
الْبَصْرَةِ وَ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيَّ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ وَ دَخَلْتُ الْبَصْرَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَتَيْتُ مَسْجِدَ الْبَصْرَةِ فَإِذَا أَنَا بِحَلْقَةٍ كَبِيرَةٍ وَ إِذَا أَنَا بِعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ عَلَيْهِ شَمْلَةٌ سَوْدَاءُ مِنْ صُوفٍ مُؤْتَزِرٌ بِهَا وَ شَمْلَةٌ مُرْتَدٍ بِهَا وَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَاسْتَفْرَجْتُ النَّاسَ فَأَفْرَجُوا لِي ثُمَّ قَعَدْتُ فِي آخِرِ الْقَوْمِ عَلَى رُكْبَتَيَّ ثُمَّ قُلْتُ أَيُّهَا الْعَالِمُ أَنَا رَجُلٌ غَرِيبٌ تَأْذَنُ لِي فَأَسْأَلَكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ قَالَ فَقَالَ نَعَمْ قَالَ قُلْتُ لَهُ أَ لَكَ عَيْنٌ قَالَ يَا بُنَيَّ أَيُّ شَيْءٍ هَذَا مِنَ السُّؤَالِ إِذَا تَرَى شَيْئاً كَيْفَ تَسْأَلُ عَنْهُ فَقُلْتُ هَكَذَا مَسْأَلَتِي قَالَ يَا بُنَيَّ سَلْ وَ إِنْ كَانَتْ مَسْأَلَتُكَ حَمْقَاءَ قُلْتُ أَجِبْنِي فِيهَا قَالَ فَقَالَ لِي سَلْ قَالَ قُلْتُ أَ لَكَ عَيْنٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ قُلْتُ فَمَا تَرَى بِهَا قَالَ الْأَلْوَانَ وَ الْأَشْخَاصَ قَالَ قُلْتُ أَ لَكَ أَنْفٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ قُلْتُ فَمَا تَصْنَعُ بِهِ قَالَ أَشَمُّ بِهِ الرَّائِحَةَ قَالَ قُلْتُ أَ لَكَ لِسَانٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ قُلْتُ فَمَا تَصْنَعُ بِهِ قَالَ أَتَكَلَّمُ بِهِ قَالَ قُلْتُ أَ لَكَ أُذُنٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ قُلْتُ فَمَا تَصْنَعُ بِهَا قَالَ أَسْمَعُ بِهَا الْأَصْوَاتَ قَالَ قُلْتُ أَ فَلَكَ يَدَانِ قَالَ نَعَمْ قَالَ قُلْتُ فَمَا تَصْنَعُ بِهِمَا قَالَ أَبْطِشُ بِهِمَا وَ أَعْرِفُ بِهِمَا اللَّيِّنَ مِنَ الْخَشِنِ قَالَ قُلْتُ أَ لَكَ رِجْلَانِ قَالَ نَعَمْ قَالَ قُلْتُ فَمَا تَصْنَعُ بِهِمَا قَالَ أَنْتَقِلُ بِهِمَا مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ قَالَ قُلْتُ أَ لَكَ فَمٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ قُلْتُ فَمَا تَصْنَعُ بِهِ قَالَ أَعْرِفُ بِهِ الْمَطَاعِمَ عَلَى اخْتِلَافِهَا قَالَ قُلْتُ أَ فَلَكَ قَلْبٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ قُلْتُ فَمَا تَصْنَعُ بِهِ قَالَ أُمَيِّزُ بِهِ كُلَّمَا وَرَدَ عَلَى هَذِهِ الْجَوَارِحِ[١] قَالَ قُلْتُ أَ فَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْجَوَارِحِ غِنًى عَنِ الْقَلْبِ قَالَ لَا قُلْتُ وَ كَيْفَ ذَلِكَ وَ هِيَ صَحِيحَةٌ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنَّ الْجَوَارِحَ إِذَا شَكَّتْ فِي شَيْءٍ شَمَّتْهُ أَوْ رَأَتْهُ أَوْ ذَاقَتْهُ رَدَّتْهُ إِلَى الْقَلْبِ فَلْيُقِرَّ بِهِ الْيَقِينَ وَ يُبْطِلُ الشَّكَّ قَالَ قُلْتُ فَإِنَّمَا أَقَامَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْقَلْبَ لِشَكِّ الْجَوَارِحِ قَالَ نَعَمْ قَالَ قُلْتُ وَ لَا بُدَّ مِنَ الْقَلْبِ وَ إِلَّا لَمْ يَسْتَيْقِنِ الْجَوَارِحُ قَالَ نَعَمْ قَالَ قُلْتُ يَا أَبَا مَرْوَانَ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَتْرُكْ جَوَارِحَكَ حَتَّى جَعَلَ لَهَا إِمَاماً يُصَحِّحُ لَهَا الصَّحِيحَ وَ يَنْفِي مَا شَكَّتْ فِيهِ وَ يَتْرُكُ هَذَا الْخَلْقَ كُلَّهُمْ فِي حَيْرَتِهِمْ وَ شَكِّهِمْ وَ اخْتِلَافِهِمْ لَا يُقِيمُ لَهُمْ إِمَاماً يَرُدُّونَ إِلَيْهِ شَكَّهُمْ وَ حَيْرَتَهُمْ وَ يُقِيمُ لَكَ إِمَاماً لِجَوَارِحِكَ يُرَدُّ إِلَيْكَ شَكُّكَ وَ حَيْرَتُكَ قَالَ فَسَكَتَ وَ لَمْ يَقُلْ لِي شَيْئاً قَالَ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ
[١]. في بعض النسخ« أميز به الأمور الواردة على هذه الجوارح».