مواهب الرحمن في تفسير القرآن - الموسوي السبزواري، السيد عبد الأعلى - الصفحة ٢٩٠
ويدل على ذلك قوله تعالى : (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ) فالمرجع هو حكم العقل والفطرة قبل إرسال الرسل وبعدهم ومعهم. هذا أولا.
وثانيا : إنّ الإكراه لو كان بحق فهو حسن بل واجب في النظام الأحسن وله نظائر كثيرة في تنظيم النظام مثل البيع في موارد الاحتكار وإجبار المحتكر على البيع بثمن المثل ، والإكراه في الدّين إكراه بحق مطلقا فإنّ تركه قبيح وأي قبح أشد من ترك الإنسان من أن يسعى في الشقاوة الأبدية ، فيكون الإكراه لأجل إزالة الشقاوة في الطرف المكره كالإكراه للتصالح بين الأطراف المتنازعين.
والآية تنفي الإكراه بغير الحق ، كما كان معمولا بين الطواغيت والجبابرة وما كان معهودا في بعض الأديان.
وثالثا : إنّ التاريخ يكذب هذا الافتراء ، لأنّ الإسلام في ابتداء دعوته كان مستخفيا والمشركون قد أعلنوا العداء له وكانوا يفتنون المسلمين بأنواع الأذى ونهاية التعذيب حتّى اضطر الرسول ٦ وأصحابه إلى الهجرة عن مهبط الوحي.
ويمكن أن تكون الآية الشريفة إرشادا بتعليم المؤمنين إلى ما يقع عليهم من الإكراه على الكفر من الكافرين. يعني : إن اكرهتم على الكفر فأضمروا الحق في قلوبكم واجهروا لهم بجوار حكم ما يريدون فتكون هذه الآية نظير قوله تعالى : (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ) [النحل ـ ١٠٦].
قوله تعالى : (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ).
الآية الشريفة في مقام التعليل لنفي الإكراه في الدّين. والرشد ـ بضم الراء والشين أو بضم الرّاء فقط ـ يأتي بمعنى الصّلاح وإصابة الصواب خلاف الغي ، ويستعمل بمعنى الهداية أيضا. وهو من المفاهيم المشككة التي لها مراتب متفاوتة جدّا وقد استعمل في القرآن كثيرا قال تعالى : (وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ) [الأنبياء ـ ٥١] ، أي : آتينا ما يوجب صلاحه ويهديه إلى الحق والصواب وقال تعالى ـ حكاية عن أصحاب الكهف ـ : (وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا