مواهب الرحمن في تفسير القرآن - الموسوي السبزواري، السيد عبد الأعلى - الصفحة ٢٠٢
متدرج الوجود وكلّ متدرج الوجود حادث لا محالة فلو كان المراد من كلامه عزوجل هذا يلزم منه أن يكون تبارك وتعالى محلّا للحوادث وهو باطل بالضرورة وقد أثبتوا استحالته.
الثانية : في قدم كلامه أو حدوثه.
والحق أن يقال : إنّ الكلام بالمعنى المعهود في الإنسان لا يصح نسبته إليه عزوجل ، كما عرفت آنفا. إلا أنّ الكلام يشترك مع غيره في أنّه إبراز للحقيقة ، فالجامع بين كلّ كلام ـ سواء كان من الخالق أو المخلوق ـ هو إبراز المراد والمقصود في اللفظ والحروف وإن اختلف بالاعتبار. هذا هو حقيقة الكلام وأما خروجه من العضو المخصوص ونحو ذلك فهو خارج عن تلك الحقيقة.
نعم ، قيام هذا التكلم فيه تعالى إنّما يكون قياما صدوريا كسائر أفعاله المقدّسة مثل الخلق والرّزق ونحوهما بخلاف صفاته الذاتية فإنّها عين ذاته جلّت عظمته.
فالكلام من صفاته الفعلية ، للقاعدة التي ذكرناها مرارا في الفرق بين الصّفات الذاتية والصّفات الفعلية من أنّ كلّ صفة إذا صح الاتصاف بها وبنقيضها ـ أي الثبوت والسلب ـ كانت من صفات الفعل ، وكلّ صفة لا يمكن سلبها عنه عزوجل فهي من صفة الذات ، والتكلّم مما يمكن سلبه عنه عزوجل وإثباته له تعالى فهو من صفات الفعل ، قال تعالى : (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً) [النساء ـ ١٦٤] ، وقال تعالى : (وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) [آل عمران ـ ٧٧] ، فهو كالرّزق والهداية وغيرهما من صفات الفعل التي يصح الاتصاف بها وبنقيضها من دون أن يلزم محذور في البين. وفعله حادث فالتكلم حادث فلا يكون قديما ، كما أنّ إرادته جلّت عظمته فعله فهي أيضا حادثة. نعم ، منشأ كلامه إنّما هو علمه تعالى ، فهو بمنشئه في مرتبة الذات وبفعليته وإرادته في مرتبة الصّفات الفعلية الحادثة.