بلاد العرب - حسن بن عبد الله الأصفهاني - الصفحة ٣١ - جزيرة العرب للأصمعي

العباسي، عندما تثبتت أركان الدولة العباسية الجديدة، و تمتع الموالي و الأعاجم و أهل الحضر بالحرية التي فسحت لهم مجال التعببر عن مشاعرهم و مثلهم في الحياة، و قد استغل البعض هذه الحرية و اندفعوا يتهجمون على المثل العربية الصحراوية مما يهدد مكانة العرب، و قد يهدد مكانة الاسلام، كل هذا في زمن كانت الجزيرة قد استنزفت طاقاتها البشرية فلم تمد الدولة بنفس العدد الكبير من المقاتلة؛ و قد أدرك كثير من العرب و مؤيديهم و المعجبين بهم خطر هذا الوضع الجديد فحاولوا إيقاف أثره و إبراز تراث جزيرة العرب، فاهتم الخلفاء العباسيون- و هم عرب- بالتراث العربي الصحراوي، و أظهروا حبهم لشعر أهل الصحراء، و أغدقوا على شعراء الصحراء الهبات، و جعلوا مؤدبي أولادهم من العلماء بثقافة جزيرة العرب، و عملوا على ترجمة الكتب إلى العربية لدفع العلماء على الاستغناء عن غير العربية، و شجعوا دراسة تراث الجزيرة و لغتها و آدابها، فظهرت المفضليات و المختارات و مجاميع الشعر العربي القديم، و اهتم عدد من العلماء بتسجيل ثقافة عرب الصحراء و اتصلوا بالوافدين منها، و رحلوا إليها ليستمدوا معلوماتهم من المقيمين بها. و قد كانت ثمرة ذلك ثروة ضخمة غنية في كثير من ميادين المعرفة، و منها الاهتمام بقبائل العرب و مواطنها و تاريخها.

في هذا الجو العلمي ألف الأصمعي كتابه عن جزيرة العرب، مركزا اهتمامه بوصف ديار كل عشيرة كانت قائمة، و مواطنها. فهدفه محدد واضح، و هو ينسجم مع تأليف الكتب آنذاك، حيث كان لكل كتاب هدف محدد معين، يمثل جانبا من ثقافة المؤلف، و لا يمثل نظرته، إذ ان نظرة المؤلف تتجلى في جملة ما يكتب، و قد كتب الأصمعي كتبا أخرى عن جوانب أخرى من حياة الجزيرة و أهلها.

صالح أحمد العلي‌