موسوعة قرى ومدن لبنان - طوني مفرج - الصفحة ١٢٧ - بقايا ما قبل التاريخ المدوّن
هذا النهر العديدة و المتقاربة، كانت مساكن الإنسان البدائي، إنسان العصر الحجريّ القديم الذي تعود نهايته إلى نحو مائتي ألف سنة في غياهب الزمان.
يفصل ذلك العصر عن العصرين الحجريّين المتوسّط و الحديث عشرات ألوف السنين، و قد أثّرت هذه الحقبة الزمنيّة المديدة الفاصلة بين العصرين في قدرات الإنسان الذهنيّة، فأحدثت بعض التغيّرات الطفيفة على أدواته، ما ينمّ عن بعض التقدّم في مسار الإنسان الحضاريّ و رقيّه. فلقد زاد الإنسان معرفة نتيجة لإختباراته العفويّة و الذكيّة، فزاد إنسان العصر الحجريّ المتوسّط في صقل أدواته الحجريّة ليجعلها أكثر فعالية من سابقاتها، و في العصر الحجريّ الحديث جعل لأدواته مقابض تمكّنه من التحكّم بها و الإستفادة من فعاليّتها، كما أكسبها الصقل المتقن سطحا ناعما جميلا، ما يفيد عن أنّ هذا الإنسان كان قد بدأ يتذوّق الجمال و الفنّ، و ما يؤكّد على هذا ما وجد في مغاور نهر الكلب من أدوات تميّزت بالكثير من العناية، فأضحت فنيّة حسنة المنظر، من تلك الأدوات مجموعة رائعة صنعها إنسان العصر الحجريّ الحديث وجدت في الحفريّات التي أجريت في الرأس القريب من مصبّ النهر الكلب، و هو المكان الذي يعرف ب" رأس الكلب".
هذا العصر، دام ألفي سنة إبتدأ من حوالي ٦٠٠٠ ق. م. و إلى إنسانه الذي عاش في نواحي هذه البقعة، يعود الفضل في اكتشافين عظيمين نسبة لذلك التاريخ: الخزف، و المعدن. و في هذه الحقبة بدأ إنسان لبنان يخيط لنفسه ملابس من جلود الحيوانات التي كان يصطادها. و ممّا يدلّ على هذه الظاهرة العثور على إبر و دبابيس في المغاور المحيطة بمجرى نهر الكلب التي كان يسكنها ذلك الإنسان، تلك المغاور الشبيهة على كثرتها بقرص شهد النحل.