خزانة الأدب و غاية الإرب - ابن حجة الحموي - الصفحة ٤٠٠ - حسن التخلّص
جرى مجراهم من المخضرمين، و لكنه لم يفتهم، فإنّهم أوردوا لزهير في هذا الباب قوله[من البسيط]:
إنّ البخيل ملوم حيث كان و لـ # كنّ الكريم على علاّته هرم [١]
انظر إلى هذا العربيّ القديم، كيف أحسن التخلّص من غير اعتناء في بيت واحد، و هذا هو الغاية القصوى عند المتأخّرين الذين اعتنوا به، و على كلّ تقدير، فمن كلام العربيّ [٢] استنبط كلّ فنّ، فإنّهم ولاة هذا الشأن، فإنّهم [٣] كانوا يؤثرون عدم التكلّف، و لا يرتكبون من فنون البديع إلاّ ما خلا من التعسّف، فمن ذلك قول الفرزدق، و أجاد إلى الغاية[حيث قال] [٤] [من الطويل]:
و ركب كأنّ الريح تطلب عندهم # لها ترة [٥] من جذبها بالعصائب
سروا يخبطون الليل و هي تلفّهم # إلى شعب الأكوار من [٦] كلّ جانب
إذا آنسوا نارا يقولون ليتها، # و قد حصرت [٧] أيديهم، نار غالب [٨]
و مثله قول أبي نواس [٩] [من الطويل]:
تقول التي في [١٠] بيتها خفّ محملي # يعزّ علينا أن نراك تسير
أ ما دون مصر للغنى متطلّب؟ # بلى إنّ أسباب الغنى لكثير
فقلت لها، و استعجلتها بوادر # جرت، فجرى في إثرهنّ عبير
دعيني أكثّر [١١] حاسديك برحلة # إلى بلد فيه الخصيب أمير [١٢]
[١] البيت في ديوانه ص ٩١؛ و تحرير التحبير ص ٤٣٤؛ و العمدة ١/٦١.
[٢] في ب، د، ط، و: «العرب» .
[٣] في ب، د، ط، و: «لكنّهم» .
[٤] من ب.
[٥] في ك: «ترة» .
[٦] في ب: «عن» .
[٧] في ط: «حضرت» .
[٨] الأبيات لم أقع عليها في ديوانه.
و التّرة: الثأر أو الذّحل. (اللسان ٥/٢٧٤ (وتر) ) .
[٩] «قول أبي نواس» سقطت من و، و ثبتت في هامشها مشارا إليها بـ «صح» .
[١٠] في ب، د، ط، و: «من» .
[١١] في د: «أكثّر» .
[١٢] الأبيات في ديوانه ص ٣٢٨؛ و فيه: «عن بيتها» ؛ و «مركبي» مكان «محملي» ؛ و «عزيز علينا» ؛ و «ذريني أكثّر» ؛ و «في جريهنّ عبير... » ؛ و تحرير التحبير ص ٥٣٥؛ و فيه: «من بيتها» .
و البوادر: أوائل الدموع. (اللسان ٤/٤٩ (بدر) ) .