القصص التربوية - الفلسفي، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٣٩ - المؤمن إذا وعد وفى
سبب ، ولازَمَني الاضطراب حتَّى ذهابي إلى البيت ، فذكرت ذلك لأهلي فلاموني ... ولكنْ لاتَ حين مَناصٍ .
لم أنَم تلك الليلة ، فكنت أتململ تملُمل السليم ، وأتقلَّب كالثَّكلى . وعند الصباح وفَّى الرجل بعهده ، فتعجَّبت مِن مَجيئه ، وقلت له : لماذا حضرت ؟!
قال : مَن آمن بالله ، وأعتقد قُدرته وعظمته ، وعاهد على أمرٍ ، وجعل الله شهيداً على عهده ؛ فلا يُخلِف عهده .
فأخذته إلى قصر الإمارة في الساعة المُقرَّرة ، وذكرت للحَجَّاج ما جرى بيني وبينه في الليلة السابقة ، فتعجَّب مِن إيمان الرجل ووفائه بعهده . ثمَّ قال : أتُريد أنْ أعفو عنه لأجلك .
فقلت : لو تكرَّمت عليَّ بذلك ، فلك المِنَّة بذلك .
فعفا الحَجَّاج عن المُتَّهم ، وأخرجه عنبسة مِن دار الإمارة ، وقال له بلُطف ولين : اذهب فأنت حُرٌّ .
ذهب الرجل دون أنْ يشكر لي جميل صنعي ، ودون أنْ يُقابل الإحسان ولو بكلمة شُكراً ، فتألَّمت مِن هذا الجَفاء والتنكُّر للمعروف ، وقلت في نفسي : لعلَّه مجنون !
وفي اليوم الثاني ، حدث ما لم يكن بالحُسبان ، فقد حضر الرجل ، وشكرني على إنقاذه مِن الورطة التي وقع فيها ، ثمَّ قال : إنَّ المُنقذ الحقيقي هو الله تعالى ، وكنتَ أنت الواسطة في ذلك ، فلو أنَّني شكرتك بالأمس على إحسانك ، لكنت قد أشركتك بالله في النعمة التي أنعمها عليَّ ؛ وهذا ليس بمُستحسن ، فرأيت مِن الواجب عليَّ أنْ أذهب لأداء واجب الشُّكر والحمد بين يدي الله تعالى أولاً ، ثمَّ أحضر لأداء واجب الشُّكر لك . ثمَّ شكر لي جميل صُنعي وإحساني ، واعتذر وانصرف [١] .
[١] الطفل ، ج١ .