القصص التربوية - الفلسفي، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢١٠ - في حلالها حساب وفي حرامها عِقاب
تجهلون حتَّى انتظمت لجَدِّي الأُمور ، فلمَّا جاءه القدر المحتوم واخترمته أيدي المَنون ، بقي مُرتهناً بعلمه فريداً في قبره ، ووجد ما قدَّمت يداه ورأى ما ارتكبه واعتداه .
ثمَّ انتقلت الخلافة إلى أبي يزيد ـ والكلام ما زال لمُعاوية ـ ولقد كان أبي يزيد بسوء فعله وإسرافه على نفسه ، غير خليق بالخلافة على أُمَّة محمّد (صلى الله عليه وآله) ، فركب هواه واستحسن خُطاه ، وأقدم على ما أقدم مِن جُرأته على الله ، وبغيه على مَن استحلَّ حُرمته مِن أولاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فقلَّت مُدَّته وانقطع أثره وضاجع عمله ، وصار حليف حُفرته رهين خطيئته ، وبقيت أوزاره وتبعاته .
ثمَّ اختنقته العبرة ، فبكى طويلاً وعلا نحيبه ، ثمَّ قال :
وما كنت لأتحمَّل آثامكم ، ولا يراني الله جلَّت قدرته مُتقلِّداً أوزاركم وألقاه بتبعاتكم ، فشأنكم أمركم فخذوه ومَن رضيتم به عليكم فولُّوه ، فلقد خلعت بيعتي مِن أعناقكم والسَّلام .
فاضطرب المجلس ، وقام مروان بن الحكم ـ وكان تحت المنبر ـ فقال له : أسنَّة عُمريَّة يا أبا ليلى ؟!
فقال مُعاوية : اغدُ عنِّي ، أعن ديني تخدعني ؟! فو الله ، ما ذقت حلاوة خلافتكم فأتجرَّع مرارتها . والله ، لئن كانت الخلافة مَغنماً لقد نال أبي منها مَغرماً ومأثماً ، ولئن كانت سوءاً فحسبه منها ما أصابها .
ثمَّ نزل عن المنبر وعيناه مُغرورقتان بالدموع .
ولمَّا رأى بنو أُميَّة ما حصل قالوا لمؤدِّبه عمر المقصوص :
أنت علَّمته هذا ولقَّنته إيَّاه ، وصددته عن الخلافة ، وزيَّنت له حُبَّ عليٍّ وأولاده ، وحملته على ما وسمنا به مِن الظلم وحسَّنت له البِدع ، حتَّى نطق وقال ما قال .