الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم - النباطي، الشيخ علي - الصفحة ٢٩ - آثاره العلمية
الفكرية التي لا يزال اللاحقوق يقتفون فيها خطوات السابقين، و يحرص الخلف على ربط حلقاتها بالسلف الصالح، إن كل تلك الاثار الخالدة لفي غنىّ عن مدح المادحين و إطراء المطرين، و هي التي أحلّتهم الذروة و السنام بين الفرق و المذاهب الإسلامية، و يطول بنا المقام إذا أردنا ان نستعرض- و لو بايجاز- الحوادث و الهنابث التي لقيها شيعة أهل البيت من أعداء أهل البيت، و الحرائق و البوائق التي منيت بها مكتبات الشيعة في مختلف العصور و القرون، فقد لعبت بهم أيدي الحدثان، و عبثت بآثارهم و مآثرهم الأهواء و الأغراض، أملا في قبر سنّة الرسول صلّى اللّه عليه و آله التي تمثّلت في أهل بيته، و في شيعتهم من بعدهم، و بغية القضاء على علومهم و معالمهم (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ)[١] و بالرغم من كل الكوارث و الفواجع و حملات الابادة نجد شيعة أهل البيت عليهم السّلام في كلّ صقع من أصقاع العالم، و في كلّ بقعة من بقاع المعمورة، و نرى آثارهم و علومهم ملأ السمع و البصر، و ما كان للّه ينمو.
و حسبنا أن نشير الى حادثة واحدة ممّا يخصّ المؤلّفات و المكتبات، و إن كنا قد فصلناها في محلها[٢] فإن طغرل بك أول ملوك السلاجقة لما ورد بغداد في سنة ٤٤٧ و شنّ حملته المشهورة على الشيعة[٣] أمر باحراق مكتبتهم التي أسسها أبو نصر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة البويهي في محلة (بين السورين) في كرخ بغداد سنة ٣٨١ ه. و قد كانت من دور العلم المهمة في بغداد بناها هذا الوزير الجليل و الأديب الفاضل على مثال بيت الحكمة الذي بناه هارون الرشيد كما ذكر في ترجمته[٤] و قد جمع فيها هذا الوزير ما تفرق من كتب فارس و العراق، و استكتب تأليف أهل الصين
[١] سورة التوبة: ٣١.
[٢] حياة الشيخ الطوسيّ: ص د.
[٣] المنتظم في تاريخ الملوك و الأمم: ج ٨ ص ١٧٣ و ١٧٩.
[٤] وفيات الأعيان: ج ١ ص ١٩٩- ٢٠٠.