الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٩٢ - عباديّة الطهارات الثلاث
و إن شئت قلت: إنّ تعبّديّة الأوامر الغيريّة لا تكون إلّا على وجه دائر؛ فإنّ الوجوب الغيري موقوف على المقدّميّة، فلو توقّفت المقدّميّة على قصد الامتثال المتوقّف على الوجوب الغيري لزم الدور.
[عباديّة الطهارات الثلاث]
و من هنا جاء الإشكال في الطهارات الثلاث و أنّها كيف صارت عباديّة مع أنّ أوامرها غيريّة.
و يدفعه: أنّ عباديّة الطهارات الثلاث إنّما هي باقتضاء الأوامر النفسيّة المتعلّقة بغايتها باقتضاء أوامرها الغيريّة ليتّجه بها الإشكال في المسألة.
و لتوضيح ذلك نذكر أمورا:
الأوّل: أنّ أمرا واحدا له دعوة واحدة- بمعنى أنّه يحدث إرادة واحدة في نفس المكلّف- متعلّقة بتمام ما تعلّق به بلا زيادة و نقيصة، فكان إتيان أبعاض المركّب المأمور به بذلك الداعي الواحد لا بإحداث دواع مستقلّة إلى الأبعاض.
و السرّ في ذلك أنّ إرادة العبد في مقام الامتثال هي مطاوعة إرادة المولى في مقام الطلب و متأثّرة منفعلة منها، فلا تضع قدمها إلّا موضع قدم إرادة المولى. فلو كانت الإرادة من المولى متعلّقة بمركّب كانت الإرادة من العبد أيضا متعلّقة بذلك المركّب بلا زيادة و نقيصة.
الثاني: لازم ما ذكرناه في الأمر الأوّل أنّ أمرا واحدا لا يتبعّض في التعبّديّة و التوصّليّة- فيكون في جزء من متعلّقه تعبّديّا و في جزء توصّليّا- إذ لو لم يعقل اختصاص دعوة الأمر بشطر من المتعلّق فكيف يعتبر في العمل و يشترط فيه هذا الأمر غير المعقول؟! بل الدليل على التعبّديّة في البعض يكون دليلا على التعبّديّة في الكلّ.
و أمّا استمرار وقت النيّة في الصوم إلى الزوال بل في صوم التطوّع إلى الغروب، فذاك كاشف عن أنّ المطلوب في الصوم ما يعمّ إمساك النهار و تتميم إمساكه. فكان تتميم الإمساك تمام الواجب لا جزؤه كي لا يتصوّر إتيانه بداع الأمر.
الثالث: كما لا يتبعّض أمر واحد بالتعبّديّة و التوصّليّة في الأجزاء، كذلك لا يتبعّض بالتعبّديّة و التوصّليّة في الأجزاء و الشرائط، فيكون تعبّديّا في الأجزاء و توصّليّا في الشرائط؛ فإنّ تقيّد الأجزاء بالشرط داخل في المأمور به و من حدوده المأخوذة فيه. و قد عرفت أنّه لا يعقل تبعّض دعوة الأمر فيدعو الأمر إلى إتيان بعض متعلّقه دون بعض.