الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ١١٣ - الدليل على بطلان الترتّب
فمقدّمات متخالفة الاقتضاء لا يعقل صدورها من شخص واحد.
[الأمر] الرابع: كما أنّ الأمر مقدّمة يتوصّل به إلى تحقّق المطلوب كذلك مقدّمة يتوصّل به إلى ترك أضداد المطلوب. لا أقول: إنّ الأمر يقتضي النهي عن الضدّ أو هو عينه بل أقول:
إنّ الأمر كما هو مقدّمة طلبيّة إلى حصول متعلّقة كذلك هو مقدّمة غير طلبيّة إلى ترك أضداد متعلّقة؛ إذ كما هو إشغال بالمطلوب كذلك هو صرف عن أضداد المطلوب، فهو بصرفه وجه المكلّف و قدرته إلى جانب فعل، صارف وجهه و قدرته عن أضداد ذلك الفعل، و هذا أجنبي عن اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن الضدّ، بل هو ثابت- قلنا بالاقتضاء، أو لم نقل- إذ ليس هذا نهيا عن الضدّ بل طلب الفعل مقدّمة غير طلبيّة لترك أضداد ذلك الفعل. فبذلك أشبه النهي في جهة كونه مقدّمة لترك الضدّ، لكن فارقه في أنّ هذا مقدّمة غير طلبيّة و النهي مقدّمة طلبيّة. بل لعلّ أرباب القول بالاقتضاء اشتبه عليهم الأمر من هذا المقام، فحسبوا هذا نهيا، لكنّ الذي يكذّبه أنّهم لم يقولوا بالاقتضاء بمعنى العينيّة، مع أنّ الأمر هنا عين مقدّمة ترك الضدّ لا أنّه يقتضيه.
و الحاصل: أنّ الطلب علاج عملي لصرف المكلّف عمّا وراء المطلوب و شاغل له بالمطلوب كسائر الأمور الملهية.
نعم، قد يكون هذا الصرف ملتفتا إليه و قد لا يكون، و عند الالتفات قد يكون مقصودا بالأصالة و كان الأمر بالفعل تبعا، و قد يكون بالعكس، أو كلا المقصدين في عرض واحد.
إذا تمّت لك هذه المقدّمات ظهر لك صدق ما قلنا من استحالة اجتماع طلب الضدّين استحالة ذاتيّة؛ لأنّه من اجتماع النقيضين، و أنّه عبارة عن رجحان كلّ من الفعل و الترك على صاحبه و عدم رجحانه بل مرجوحيّته، و أنّ ارادة الضدّين إرادة لفعل كلّ و تركه- إحداهما المتعلّقة بالفعل طلبيّة و الاخرى المتعلّقة بالترك غير طلبيّة- و قد عرفت عدم الفرق في استحالة الاجتماع بين أنواع الإرادات.
فالقول بمعقوليّة الاجتماع على وجه الترتّب- بزعم اختصاص جهة اللامعقوليّة بالأمر بهما لا على وجه الترتّب، و هو رجوع الأمر بهما إلى طلب الجمع بين الضدّين- باطل [١]
[١]. راجع كشف الغطاء: ٢٧، البحث الثامن عشر.