الأصول في علم الأصول - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ١٩١ - مسلك سلطان العلماء في الإطلاق
الخلاف بينهما في الحاجة إلى مقدّمات الحكمة في الحكم بالإطلاق و سرايته الحكم و عدمها؛ زعما بأنّ الماهية في ذاتها مهملة لا إطلاق فيها و لا تقييد و قابلة لكلّ من الإطلاق و التقييد.
و قد عرفت أنّ الحقّ في ذلك مع المشهور و أنّ الإطلاق و السريان ذاتي للماهيّة، فإذا توجّه حكم إلى ما هو مطلق في ذاته سرى الحكم بسرايته بلا حاجة إلى التماس شيء خارجا.
ثمّ لمّا رأوا متابعو السلطان أنّ أرباب المحاورات لا يدورون في الحكم بالإطلاق مدار إحراز المقدّمات فادّعوا أنّ الأصل في ما إذا شكّ في أنّ المتكلّم في مقام البيان أنّه في مقام البيان، و في ما إذا شكّ في حصول البيان أنّه لم يحصل. و لعمري إنّ هذا تعسّف في تعسّف.
و ليس في أذهان أهل المحاورات و العقلاء من مقدّمات الحكمة عين و لا أثر، فهم يحكمون بالإطلاق بذلك الإطلاق الذاتي الثابت للماهيّة.
و لا ينقضي تعجّبي كيف رضوا بوضع اللفظ بإزاء معنى مهمل، مع أنّ المهمل غير قابل للحكم عليه، و الوضع للفظ ضرب من الحكم؟! و لو فرض جواز الحكم عليه لم يسر حكمه إلى جميع أفراد؛ لأنّ المهمل في قوّة الجزئي، فلزم ألا يعمّ الوضع جميع الأفراد، فلا يجوز حمل اسم الجنس على أيّ فرد من أفراد الجنس، و هو باطل بالوجدان.
هذا كلّه مع أنّه لا جدوى لمقدّمات الحكمة و لا أثر لها في الحكم بالإطلاق؛ إذ اللفظ إن لم يكن في ذاته إطلاق، و كان وصفا الإطلاق و التقييد خارجين عنه ملحقين به و نسبته إليهما على حد سواء فكان لا محالة لا اقتضاء بالنسبة إليهما، و لم يكن الحكم بالإطلاق عند عدم بيان القيد أولى من الحكم بالتقييد عند عدم بيان الإطلاق.
فكما لو كان القيد مرادا قبح ترك التعرّض له، كذلك لو كان الإطلاق مرادا قبح ترك التنبيه عليه، و باللازم كان اللفظ عند عدم التنبيه على شيء من الأمرين مهملا و كان ذلك مناقضا لكون المتكلّم في مقام البيان، و إنّما يكون عدم ذكر القيد دليلا على إرادة الإطلاق حيثما يكون الإطلاق مقتضى طبع اللفظ وضعا أو انصرافا و في الحقيقة كان الإطلاق قضيّة نفس اللفظ، و المقدّمات دافعة للمزاحم لا حملة للاقتضاء.
فتحصّل أنّ مقتضى وضع اللفظ هو الإطلاق بلا حاجة إلى المقدّمات، و على تقدير الحاجة لم تجد المقدّمات في الحكم بالإطلاق.