كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٣٠ - المصطلح و دراسة المبنى

تقعدت على أساس الردّ إلى الأوزان، و من الأوزان إلى التفعيلات الأساسية و من التفعيلات الأساسية إلى المسلّمات، أي الثلاثي البسيط فعلا أو مصدرا.

و هذا يشابه تماما حركة (الاكسيوم) البديهيات في الرياضيات الحديثة، و عملية الردّ إلى مسلمات أولى يستند إليها النسق في نظم معيّن. و لا غرابة في مقارناتنا هذه لأنّ الهدف دفع الذهن نحو اكتشاف العلاقات الصورية، بالرغم من المماثلة بين منطق اللغة و منطق العلوم.

و المصطلح يرافق اللغة و بنيانها النحوي، و يلحّ مبرزا إشكالية في أثناء اتصال الثقافات ببعضها و تلاقحها كمحاولة الغزالي‌ [١]. و لنا محطات بارزة في تاريخ اللغة العربية و روادا أوائل، تابع الآخرون خطاهم، مثل الكندي و الفارابي قديما، و الطهطاوي و البستاني حديثا. و قد شق هؤلاء و غيرهم دربا تعزّز، ثم انجمع في معاجم اختصت بالاصطلاحات. و في الزمن المعاصر أشير إلى إلحاح المعنى الحادث المستجدّ، و أنّه يجنّ الكثير من الفعالية و عناصر التأثير في الفكر و العمل. لكن العودة إلى الأصل الثلاثي، البعد العمقي للبنيان، لم يلق انتباها عند البعض، بمثل ما تعتم ما تحصّل من مصطلح عند هذا البعض، فغدا المصطلح العصري تفلّتا من غير ضابط، فأدّى إلى عدم تأثيره في الذهنية، بل انتشر على وضع من التباين اللفظي في المفهوم الواحد. و هذا الأمر تشهده كثيرا عمليات الترجمة و النقل الحالية.

علما أنّ المصطلحات تخصّ اللسان و تطال المعنى، و هي في خاصية اللسان تكتسي صيغة العربية كسوة فتوسم بميسم أبعادها، و هي في محاولة إصابة المعنى تتعدّى كسوتها الخاصة لتنجمع على تصور يتعدّى دلالة اللسن. و كأن الفارابي وعى صعوبة ذلك و الإشكالية فقال: علم اللسان ضربان: «حفظ الألفاظ الدالة عند أمة ما و علم ما يدلّ على شي‌ء شي‌ء منها. و الثاني علم قوانين تلك الألفاظ. و القوانين في كل صناعة أقاويل كلية أي جامعة ...» [٢].

و كما ذكرنا من أنّ الدلالة العربية سارت مسارا طويلا، تنبّه له علماء أفاضل، فوضعوا جوامع أو معاجم لهذه المصطلحات، بعد أنّ تخطّت دلالات اللفظ مسارا


[١] تميزت محاولة الغزالي بطبع المعاني المنطقية اليونانية بطبع العربية، حتى كادت المعاني تغترب أحيانا عن بعدها اليوناني آخذة الطبع العربي بخصوصيته و الأبعاد للتوسع:

العجم، رفيق، المنطق عند الغزالي في أبعاده الأرسطوية و خصوصياته الاسلامية، بيروت، دار المشرق، ١٩٨٩.

[٢] الفارابي، احصاء العلوم، القاهرة، ط ١٩٤٩، ص ٣- ٤.