كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١١ - تمهيد
العلوم و الفكر لديهم إلى الانكليزية أو الفرنسية و الألمانية و اليابانية. و قد يوصل ذلك إلى تعميق الثغرة بين الشعوب فتحدّ عن المشاركة في العلم، و عن وسائله و حسن استخدامها، ممّا يجعل الانسانية في مأزق حضاري لاحق يماثل ردّات الأعراب و البرابرة على الحضارات؛ و قد يفقد الترقي الحضاري الراهن تميّزه الحر المبدع السلمي عما سبقه من تجارب انسانية عريقة.
و لا غرابة أن تتمثل عظمة العرب و المسلمين فيما رافق عنفوان الحضارة عندهم و درايتهم في شتى أشكال العلم. و قد أغنى كل ذلك مفردات العربية و الأسماء و المصطلحات. فعبّرت عن ذلك الغنى في تراث بقي منه بعض المدوّنات و الأعمال الموسوعية كتلك التي نبرزها و نحقّقها.
كما و أنّ كسوف العلم و انتقاله إلى غيرهم ترابط مع تحوّله عنهم و اضمحلال العمران و جمود المعاني التي عكست نفسها على جمود الألفاظ و المصطلحات، حيث ذكر ابن خلدون في مقدمته: «اعتبر ما قرّرناه بحال بغداد و قرطبة و القيروان و البصرة و الكوفة لمّا كثر عمرانها صدر الاسلام و استوت فيها الحضارة كيف زخرت فيها بحار العلم و تفنّنوا في اصطلاحات التعليم و أصناف العلوم و استنباط المسائل و الفنون حتى أربوا على المتقدمين و فاتوا المتأخرين، و لما تناقص عمرانها و ابذعر سكانها انطوى ذلك البساط بما عليه جملة و فقد العلم بها و التعليم و انتقل إلى غيرها من الأمصار» [١].
و مما لا بدّ من الوقوف عليه في طبيعة العربية و طبعها السامي، ذاك النسق الذي هو عليه حقل دلالة الفاظها، في ذاك التواصل و الاتصال فيما بين الدلالات على تشعّب العلوم و اختلافها و اجتياز اللفظ من معنى إلى آخر و من مصطلح إلى سواه. و لا سيما أنّ نقل المفاهيم و المعاني المستجدّة الحادثة من لدن معطيات الشعوب و تجاربها، و من نبعات الآخر، لا ينقطع عن تجربة اللغة بألفاظها و المصطلح، إبّان سيرورتها و تجربتها العلمية و اللغوية، و إلا كان تفلّتا لا يتوافق مع سنة التطور و طبع العربية و انغراس الفهم في الأذهان على قدر اللغة المعاشة المعبّرة، و على معطى اللاوعي المعرفي المنبث في الضمير و التجربة و العادات و المخيّلة، و التعليم و التربية [٢].
إنّ الاقرار بفاعلية العودة إلى دراسة المفردات و المصطلحات المعبّرة عن علوم
[١] ابن خلدون، المقدمة، بيروت، دار احياء التراث العربي، د. ت.، ص ٤٣٤.
[٢] العجم، رفيق، أثر الخصوصية العربية في المعرفية الإسلامية، بيروت، دار الفكر اللبناني، ١٩٩٤، الفصل الأول.