كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٣ - حقول دلالة العربية
و لا ضير إن مررنا لماما على بعض هذه التوضيحات و التعريفات لتبيان علاقة المفاهيم و المعاني باللسان، و كيفية بناء الصياغة اللفظية و الحكم على حقيقة من الحقائق أو تصور اصطلاح من المصطلحات فيما يخصّ الانسان، أنّى كان زمانه أو مكانه، و لا سيما أن لغة العلوم تعود للإنسانية جمعاء في سيرورتها و الابداع. و من ثمّ تنسكب في هذه اللغة أو تلك.
حتى أن الاسميين بدءا بالرواقية و انتقالا إلى أهل البيان المسلمين و خاصة ابن تيمية (٦٦١- ٧٢٦ ه) وصولا إلى الأوروبيين المعاصرين، جعلوا الحقيقة العلمية و محصلة التجارب و التصورات تقوم في الأسماء و تعرف من خلالها و بالألفاظ، و ان الحقيقة المتجسدة قائمة في الألفاظ، فلا عجب أن ينكبوا انكبابا واسعا على بيان العلاقات المنطقية القائمة في قضايا اللغة و علاقة المفردات و الكلام.
و لعلّ علم الدلالة أو حقل المعنى من أدق العلوم، إذ هو يبحث في العلاقة بين المعنى و المبنى، بينما ذهبت اللغويات الحديثة لدراسة العلاقة في داخل المبنى للغة.
علما أن دراسة المبنى بما هو مبنى يساعد في فهم عمليات الصياغة و بناء العربية و بنيتها الشكلية. إلا أن دراسة عقل المعنى و علم الدلالة متعلّق تعلقا مباشرا بموضوع تحقيقنا للكشاف.
و لقد أدرك العرب و المسلمون أهمية هذه المباحث فاحتفلوا بعلمي أصول الفقه و المنطق احتفالا ظاهرا، و ذهب بعضهم إلى اعتبار تمايز العلوم في نفسها إنّما هو بتمايز الموضوعات. فصدّروا العلم بما عرف عندهم بالمبادئ و المقدمات. فكانت معرفة العلم بمعرفة حدّه تمييزا للمفهوم، و بمعرفة الموضوع تمييزا للذات.
و الملفت للنظر أنّ للفظ الواحد و المصطلح الواحد أحيانا عدة مفاهيم و كثرة من المعاني، حتى تكاد اللفظة الواحدة تضج في تشعّب دلالاتها. و هذا الأمر يسري في معظم اللغات و بحسب اختصاص كل علم و فن و تباين حقله عن الآخر. إلا أنّ دراسة معمّقة في علم الدلالات تكشف لنا عن ذاك الخيط المشترك بين الدلالات، فتفتح الأفق أمام المحلّل و الأناسي و اللغوي لدراسة واسعة لطبع العربية و ذهن ناطقيها و طبيعة تاريخ العلم و كيفية صدوره.
و لهذا كله يمثّل كشاف المصطلحات عدة أدوار علمية، فهو حلقة وصل و اتصال لنحت المصطلح المستحدث. كما أنّه أرض خصبة لدراسة تاريخ العلم و الموروث