كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٢٦ - المصطلح بين الوقف و الوضع
و اللغة و الفكر، إذ لم يبت أحد من اللغويين العرب، و لا من خاض أبحاثا في الألسنية المعاصرة، بالتصريح حاسما أولوية أحدهما على الآخر. فهل اللفظ يتولّد عقب ممارسة التفكير؟ و تلحق به أوجه البيان و النحو حيث ينتقل الفكر و يسود. أم أن اللغة قوالب يشكّل فيها الفكر؟ و يرى هردر (١٨٠٣- ١٧٤٤Herder ( أنّ اللغة ليست أداة للفكر و حسب، بل هي أيضا القالب الذي يتشكّل فيه الفكر. كما «أنّ لغة جماعة أنسية ما تفكر داخل اللغة و تتكلم بها، هي المنظّم لتجربتها، و هي بهذا تصنع عالمها و واقعها الاجتماعي ... إن كل لغة تحتوي على تصوّر خاص بها للعالم» [١]. و هذه المسألة تتعلّق بالرباط شكلا و دلالات، مبنى و معنى، و بين المعرفة بوصفها بنيانا يشيّد العالم على أساس من التصور و النظم، و يفسّر الظواهر تبعا لأنساق تتضافر مكوّنة النظام الطبيعي و الانساني. علما أنّ المسلمين حاولوا تلافي هذا التباين في ازدواجية الفكر و اللغة، فعملوا على الصهر بينهما» لأنّ حقائق المعاني لا تثبت إلا بحقائق الألفاظ، فإذا تحرّفت المعاني فكذلك تتزيّف الألفاظ، فالألفاظ و المعاني متلاحمة متواشجة متناسجة» [٢]. و لكن ذهب البعض إلى سبق التفكير للنظم في اللغة، مما أكّد على أنّ نظم الكلمات يخضع لانتظام معانيها في العقل، «فليس الغرض بنظم الكلم إن توالت ألفاظها على النطق، بل إن تناسقت دلالتها و تلاقت معانيها على الوجه الذي يقتضيه العقل.» [٣]
و عقب هذه العجالة و الحجاج نخلص إلى توليفة نتحدث بها عن المصطلح الذي يشيّد على أساس المعنى و المبنى. أما المعنى فميدانه العقل الانساني المتفرّد و الميدان المعرفي المتمثل بهذا الجمع من النظريات و الآراء، و الأفكار القائمة أو السائدة في معارف الناس جهارا أو خفية، وعيا أو لا وعيا. و أما المبنى فمجاله بنية اللغة تركيبا و قوالبا، نشوءا و تقعيدا، إنشاء و علاقات، نحوا و تفنينا- جناس بديع كناية تورية- أصواتا و دلالية ما.
و إذا أمعنا النظر نجد علاقة تفاعلية تبادلية بين الاثنين، فالمعنى ينصاغ باللغة، بحيث يتقولب فيها، أي تضفي عليه خصوصيتها التركيبية و خلفيتها المعرفية، و اللغة تتحدّد بالمعنى الذي يؤثّر فيها تبعا للعقل العارف الذي أنشأ المعنى، و للذهنية التي ولّدته. و لا سيما أنّ اللغة انبنت تبعا لذهنية مستعمليها و الناطقين بها، فحملت
[١] Shaft, Adam, Langage et connaissance, Paris, Anthropos,
١٩٦٧.p . ٦.
[٢] التوحيدي، أبو حيان، البصائر و الذخائر، دمشق، مطبعة الارشاد، ١٩٦٤، ج ٣، ص ٤٩.
[٣] الجرجاني، عبد القاهر، دلائل الاعجاز، ج ٢، ص ٤٧.