كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٢٥ - المصطلح بين الوقف و الوضع

إنّ الأبحاث العلمية و تبحّر الإنسان بالكشف عن ماضيه الثقافي تثبت أنّ اللغات مرّت بالمقطع البسيط ثم المقطعين فالمقاطع، و عربيا الحرف المصوّت فالثنائي فالثلاثي. مثال: (ع) تدلّ على صوت الزئير و (ا) الصوت المتكرر. و مثال الثنائي (عو) و الثلاثي (عوى) [١]. و في ختام التجربة وقفت لغات و ماتت لغات. و يماثل هذه العملية المغرقة في التاريخ، و الموغلة في التجربة الأناسية اللغوية شاهد على كيفية نمو التصويت و النطق و استعمال المحسوس ثم المجرد، و الأمر يحصل عند الطفل تباعا.

و لعلّ الدراسات التربوية و النفسية الحديثة و المعاصرة وافية في هذا المضمار، بحيث تقاس الإنسانية، في تطورها نحو التجريد، على الطفل في نموّه.

أما القدماء فوقفوا عند قوله عزّ و جل القائل‌ وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها البقرة/ ٣١. فعلّق الجاحظ (١٦٠- ٢٥٥ ه) قائلا: «لا يجوز أن يعلّمه الاسم و يدع المعنى و يعلّمه الدلالة و لا يضع له المدلول عليه. و الاسم بلا مسمّى لغو كالظرف الخالي ...

و لو أعطاه الأسماء بلا معان لكان كمن وهب شيئا جامدا لا حركة له، و شيئا لا حسن فيه ... و لا يكون اللفظ اسما إلا و هو مضمّن بمعنى» «و قد يكون المعنى و لا اسم له، و لا يكون اسم إلا و يكون له معنى» [٢]. و قيل أيضا: «إن استعمال العبارة على وجه يفيد و يصحّ لا يكون إلا بعد العلم بما وضعت له» [٣] فهي تابعة للمعنى أي للنشاط العقلي.

فاللغة وضع في أساسها، و من هذا الوضع تخرج الأسماء العرفية، أي ما تعارف عليه القوم، بحيث يوضع الاسم لمعنى عام يخصص‌ [٤].

و أعاد زكي الأرسوزي- القرن العشرين- هذا الاتجاه و توسّع فيه، ثم أضاف التجربة الوجدانية على التجربة الطبيعية و سمّاه الايحاء، كفرس، من (فرّ) و صوت (س) المعبّر عن الحركة.

و ذهب هذا المذهب في أوروبا (Whitney(، و من أشهر مؤلفاته: (حياة اللغة ١٨٧٥) و (اللغة و دراستها ١٨٧٦). و اهتمامه انصب على الدلالة و حقل المعنى (Semantique(، و منشأ اللغة يطرح في أبعاده مسائل الازدواجية بين اللفظ و المعنى،


[١] العلائلي، عبد اللّه، تهذيب المقدمة اللغوية، بيروت، دار النعمان، ١٩٦٨،

[٢] الجاحظ، رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة، الخانجي، ١٩٦٥، ج ١، ص ٢٦٢.

[٣] عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد، القاهرة، وزارة الثقافة، ١٩٦١، ج ٨، ص ٣٦.

[٤] الغزالي، أبو حامد، المستصفى من علم الأصول، دار صادر، ج ١، ص ٣٢٦.