كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٢٢ - دلالة المصطلح عربيا

مخصوصة من القوم على وضع الشي‌ء أو الكلمة [١].

و لعلّ الجرجاني (المتوفى ٨١٦ ه)، و الذي لقّبه صاحب الكشاف بالسيد السند، خير من قدّم لنا في تعريفاته الأبعاد المعرفية التي اكتسبتها اللفظة عقب ما حملته من أس محسوس، و من معنى بياني لغوي في سيرورتها و المآل. قال الجرجاني‌ [٢]:

الاصطلاح «عبارة عن اتفاق قوم على تسمية الشي‌ء باسم ما ينقل عن موضعه الأول».

و هذا القول اشارة عامة إلى طبيعة استعمال الألفاظ و كيفية استخدامها في الدلالات، بعد إحداث معان في الذهن، أو نقلها من معرفيات وافدة على القوم.

و يتابع الجرجاني فيقول: «إخراج اللفظ من معنى لغوي إلى آخر لمناسبة بينهما».

أما المناسبة بينهما بعد معرفي تصوري عقلي يربط بين الدلالة الأولى و الدلالة المجازية الدينية. إنّها النقلة الكبيرة في اللغة العربية من المحسوس المجرّب إلى المجرّد الديني الشرعي، مثال ذلك شاهد مستخرج من القرآن الكريم: لفظ: الواجب.

أي الذي وجب فعله لا خيار فيه، إنّه الأمر الديني. و هذا معنى جامع اتفق عليه أرباب المذاهب الأصولية و الكلامية. و اللفظ لغة بمعنى الوجبة: أي السقطة مع الهوة.

و وجب وجبة أي سقط إلى الأرض‌ [٣].

إن بنية الاتصال بين المعنيين: السقوط من الأعلى بشدة، حيث كان المعنى السقوط من أعلى، و كان المعنى الديني السقوط و التنزيل الآمر. و ما يلبث الجرجاني أن يتابع تعريفه للاصطلاح بالقول: «اتفاق طائفة على وضع اللفظ بإزاء المعنى».

و هذه الوضعية شبيهة بوضعية اللغات الأوروبية المعاصرة حيث غدت اللغة بنيانا آليا، تتحول به الكلمة من صورة إلى رمز، يرتبط بالمعنى عرضا و اتفاقا.

و الأرجح أنّ قول الجرجاني السابق يشير إلى مرحلة ادخال المعاني العقلية المنطقية اليونانية إلى اللغة العربية، و اضفاء دلالات على هذه المعاني، و شاهدنا على ذلك قول الفارابي (٢٥٧- ٣٣٩ ه/ ٨٧٣- ٩٥٠ م) «إذا حدثت ملة في أمة ... فإذا احتاج واضع الملة إلى أن يجعل لها أسماء، فإما أن يخترع لها أسماء لم تكن تعرف عندهم قبله، و إما أن ينقل إليها أسماء أقرب الأشياء التي لها أسماء عندهم شبيها


[١] المنجد، بيروت، دار المشرق، ١٩٨٦، حرف أ.

[٢] الجرجاني، علي بن محمد، التعريفات، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٩٨٣، ص ٢٨.

[٣] ابن منظور، لسان العرب، مادة وجب.