كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٢٩ - المصطلح و دراسة المبنى
المعاني و البيان» [١].
و نحن عند ما نتحدث عن هذه المرحلة من عمر اللغة فلنظهر وصولها إلى انتظام و استخراج منطق مجرّد، يسعفنا على توليد المصطلح، باستخدام آليات العربية، بخصوصياتها لهضم المعنى الوافد، عبر صياغاتها، و بالتالي في الذهن العارف لمستعملها. أي نعمل على تطويع المعنى من خلال اختيار المصطلح له، فنختار بعمل غير مباشر، تقاربا بين المعارف و استعدادا للاستقبال الفكري، يتم تطويعه بقالب اللغة التي تحمل في طياتها سمة المعارف. و لنا مثال مشخّص من علم الحياة. فعند زراعة الأعضاء أو الأنسجة يتم اختيار ما هو الأقرب و الأشبه لتكوين الجسم المنوي الزرع فيه، كي يتأقلم ما هو مزروع بما هو مزروع فيه. ثم يعملان سويا، و أخيرا يتجانسان تقريبا بوحدة بعد الهضم في البنية. و لعل اللغة هي تلك الأداة للتأقلم و للانطباع في البنية.
و الأرجح أن من أهم ميزات العربية و خصوصيتها البيانية طريقتي: الأوزان و الحركات. فبهما يستفاد للكشف عن المعاني أو لتطويع المعاني و تسويغها. و عند ذكر الأوزان لا بدّ من ربطها بالقلب و الابدال و الاشتقاق. علما أن اللغويين الأوروبيين قلّلوا في مسائل البنيان و الدلالة من قيمة التجاوز (Diachronie( في اللفظ.
حيث يختصر تاريخ الكلمة على عرض معناها الحالي، و لا سيما أنّها تخضع لنظام يقال له المتزامنsynchronie ، مما يؤدّي إلى التطابق بين المعنى و الشارة [٢].
و تختلف العربية في بنائها في صفتين: إنّها تأسّست في جزء كبير منها على التجاوز و لم تزل تخضع له. و إنّها تعتمد على الردّ إلى الثلاثي. و هذا ما يجعل العلاقة الداخلية الثابتة بالردّ إلى الأصل، قائمة على وجود معنى عميق لهذا الأصل و على ارتباط و لو بسيط بالجديد، مما يبعد صفة التزامن. كما أنّ اللفظة في العربية تستمد وجودها من خلال تغيّر التنوين عليها. و أقصد بالوجود دلالتها على المعنى و فعلها الاشاري.
إنّ التزامن يؤدّي إلى انقطاع دور تاريخ الكلمة في اللفظة الحالية، و إلى اعتبار ما هي عليه اللفظة و الكلمة و التركيب آنيا. ممّا يدفع إلى اتجاه القطع المعرفي على المستوى النظري في دراسة بنيان اللغة. بينما العربية في أشكالها و في عملية بناء المبنى
[١] السكاكي، أبو يعقوب، مفتاح العلوم، بيروت، دار الكتب العلمية، ص ٣.
[٢] Saussure. F., Cours de Linguistique generale, Paris,
١٩٦٠.pp . ٥٦- ٠٢.