الإمام الجواد عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧ - بعد المأمون

وَانْتَبَهَ لِمَا نَبَّهْتُهُ لَهُ وَقَالَ: جَزَاكَ اللهُ عَنْ نَصِيحَتِكَ خَيْراً، قَالَ: فَأَمَرَ الْيَوْمَ الرَّابِعَ فُلَاناً- بالطبع، ذكر اسماً حذفه بعض المؤلفين أو الرواة- مِنْ كُتَّابِ وُزَرَائِهِ بِأَنْ يَدْعُوَ الجواد عليه السلام إِلَى مَنْزِلِهِ فَدَعَاهُ فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهُ وَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ أَنِّي لَا أَحْضُرُ مَجَالِسَكُمْ، فَقَالَ: إِنِّي إِنَّمَا أَدْعُوكَ إِلَى الطَّعَامِ وَأُحِبُّ أَنْ تَطَأَ ثِيَابِي وَتَدْخُلَ مَنْزِلِي فَأَتَبَرَّكَ بِذَلِكَ، فَقَدْ أَحَبَّ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ مِنْ وُزَرَاءِ الْخَلِيفَةِ لِقَاءَكَ، فَصَارَ إِلَيْهِ (ودسَّ إليه السم في الطعام) فَلَمَّا طَعِمَ عليه السلام أَحَسَّ السَّمَّ، فَدَعَا بِدَابَّتِهِ فَسَأَلَهُ رَبُّ المَنْزِلِ أَنْ يُقِيمَ، قَالَ: خُرُوجِي مِنْ دَارِكَ خَيْرٌ لَكَ، فَلَمْ يَزَلْ يَوْمُهُ ذَلِكَ وَلَيْلُهُ فِي خِلْفَةٍ حَتَّى قُبِضَ عليه السلام» [١].

آه، إمام الحق، هذا جزاؤك بعد كل هذا أنك لم تَرُمْ لهم إلَّا الخير، ولم يبغوا لك إلَّا الشر فسقياً لك ورعياً، وتعساً لهم وويلًا، غدرٌ والله ومكرٌ والله أن يطعموك السم وأنت في ربيع أيامك، ولكن لك في الأولين من آبائك أسوة حسنة، ولهم في الأولين من آبائهم أسوة سيئة فعليك السلام وعليهم اللعنة والعذاب.

نعم، انطفأ ذلك المشعل الوهَّاج وخلَّف وراءه الأمة الإسلامية تجرُّ حسراتها تندبه كالأرض تنتدب بعد مغيب الشمس.

لقد كان الإمام الجواد عليه السلام أحدث الأئمة الاثني عشر سنًّا- باستثناء الإمام الحجة عليه السلام- حين انتقلت إليه الخلافة الروحية في آخر صفر من سنة ٢٠٢ ه وهو ابن سبع وكان أحدثهم سنًّا على الإطلاق، فحينما استشهد في آخر (ذي القعدة سنة ٢٢٠ من الهجرة)، وكان عمره آنذاك خمسة وعشرين ربيعاً، كما كانت مدة إمامته ثماني عشرة سنة.


[١] بحار الأنوار، ج ٥٠، ص ٥- ٧.