الإمام الرضا عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠ - الفصل الأول وَجَاءَ المولُودُ المَيمُونُ
وهكذا أناب الإمام الرضا عليه السلام إلى ربه فوهب الله له ما شاء من الكرامة والعلم.
لقد زهد في الدنيا واستصغر شأنها، ورفض مغرياتها، فرفع الله الحجاب بينه وبين الحقائق؛ لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وهو حجاب سميك بين الإنسان وبين حقائق الخلق.
يذكر البيهقي عن الصولي:
«كَانَ جُلُوسُ الرِّضَا عليه السلام فِي الصَّيْفِ عَلَى حَصِيرٍ وَفِي الشِّتَاءِ عَلَى مِسْحٍ، وَلُبْسُهُ الْغَلِيظَ مِنَ الثِّيَابِ، حَتَّى إِذَا بَرَزَ لِلنَّاسِ تَزَيَّنَ لَهُمْ» [١]
. وكان ذلك عندما أقبلت الدنيا عليه فلم يقبلها، وتزيَّنت له فلم يغترّ بها. بل عندما كانت الخلافة العباسية في أوج عظمتها وبذخها وترفها وكان الإمام ولي عهد الخليفة في الظاهر يومئذ عاف الدنيا وشهواتها. هكذا تروي جارية اسمها عذر فتقول:
«اشْتُرِيتُ مَعَ عِدَّةِ جِوَارٍ مِنَ الْكُوفَةِ، وَكُنْتُ مِنْ مُوَلَّدَاتِهَا (كانت مولودة في الكوفة)، قَالَتْ: فَحُمِلْنَا إِلَى المَأْمُونِ فَكُنَّا فِي دَارِهِ فِي جَنَّةٍ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالطِّيبِ وَكَثْرَةِ الدَّنَانِيرِ، فَوَهَبَنِي المَأْمُونُ لِلرِّضَا عليه السلام، فَلَمَّا صِرْتُ فِي دَارِهِ فَقَدْتُ جَمِيعَ مَا كُنْتُ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ، وَكَانَتْ عَلَيْنَا قَيِّمَةٌ تُنَبِّهُنَا مِنَ اللَّيْلِ وَتَأْخُذُنَا بِالصَّلَاةِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَشَدِّ مَا عَلَيْنَا، فَكُنْتُ أَتَمَنَّى الْخُرُوجَ مِنْ دَارِه» [٢]
. وأعظم الزهد زهده في الخلافة بالطريقة التي عرضها عليه المأمون العباسي، فإن من الناس من يزهد في الدنيا طلباً لما هو أعظم من متاعها. ولا أعظم من الرئاسة في أعين الإنسان.
[١] بحار الأنوار، ج ٤٩، ص ٨٩.
[٢] بحار الأنوار، ج ٤٩، ص ٨٩.