الإمام الرضا عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦ - الفصل الثَّاني الإِمَامُ وَعَصْرُهُ

رابعاً: ثم بيان برنامجه للحكم الذي يخالف ما كان عليه عامة بني العباس، وبضمنهم المأمون ذاته.

خامساً: وقال أخيراً: «وَالجَامِعَةُ وَالجَفْرُ يَدُلَّانِ عَلَى ضِدِّ ذَلِكَ»، حيث بيّن بذلك أنهم أصحاب علم رسول الله صلى الله عليه واله، وأنهم أحق بالأمر منهم.

وعندما تهيَّأ الناس للبيعة لفت الإمام نظره إلى أن طريقتهم للبيعة خاطئة مما أثار زوبعة في الناس. دعنا نستمع إلى الحديث التالي الذي جرى بين المأمون والإمام عليه السلام:

«يَا أَبَا الْحَسَنِ! انْظُرْ بَعْضَ مَنْ تَثِقُ بِهِ تُوَلِّيهِ هَذِهِ الْبُلْدَانَ الَّتِي قَدْ فَسَدَتْ عَلَيْنَا، فَقُلْتُ لَهُ: تَفِي لِي وَأَفِي لَكَ، فَإِنِّي إِنَّمَا دَخَلْتُ فِيمَا دَخَلْتُ عَلَى أَنْ لَا آمُرَ فِيهِ وَلَا أَنْهَى وَلَا أَعْزِلَ وَلَا أُوَلِّيَ وَلَا أَسِيرَ حَتَّى يُقَدِّمَنِيَ اللهُ قَبْلَكَ، فَوَاللهِ إِنَّ الْخِلَافَةَ لَشَيْءٌ مَا حَدَّثَتْ بِهِ نَفْسِي، وَلَقَدْ كُنْتُ بِالمَدِينَةِ أَتَرَدَّدُ فِي طُرُقِهَا عَلَى دَابَّتِي، وَإِنَّ أَهْلَهَا وَغَيْرَهُمْ يَسْأَلُونِّيَ الْحَوَائِجَ فَأَقْضِيهَا لَهُمْ، فَيَصِيرُونَ كَالْأَعْمَامِ لِي، وَإِنَّ كُتُبِي لَنَافِذَةٌ فِي الْأَمْصَارِ، وَمَا زِدْتَنِي فِي نِعْمَةٍ هِيَ عَلَيَّ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: أَفِي لَكَ» [١]

. وكانت من أعظم ما بيّن فضل الإمام، مجالس المحاجّة التي كان يعقدها بين فترة وأخرى. ولنستعرض معاً واحداً من هذه المجالس لنرى ماذا يدور فيها:

«قَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّوْفَلِيُّ: فَبَيْنَا نَحْنُ فِي حَدِيثٍ لَنَا عِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا يَاسِرٌ، وَكَانَ يَتَوَلَّى أَمْرَ أَبِي الْحَسَنِ عليه السلام فَقَالَ: يَا سَيِّدِي! إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ: فِدَاكَ


[١] بحار الأنوار، ج ٤٩، ص ١٤٤.