الإمام الرضا عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣ - الفصل الثَّاني الإِمَامُ وَعَصْرُهُ
باء: إن المأمون لم يكن صادقاً في عرضه، فهو كان يدبر حيلة مع حزبه الماكر للإيقاع بالإمام إن قبل، بعد أخذ الشرعية منه، كما فعل بالنسبة إلى ولاية العهد.
ثانياً: اشترط في قبوله لولاية العهد ألَّا يتدخل في شؤون الدولة من قريب أو بعيد، مما أفقدهم القدرة على تمشية الأمور باسم الإمام وكسب الشرعية له، وأبان للعالمين- ذلك اليوم وللتاريخ إلى الأبد- أنه لا يعترف بشرعية النظام بأي وجه. وقد حاول المأمون مراراً أن يستدرج الإمام للتدخل في الشؤون فلم يقبل، والحديث التالي يدل على ذلك:
«إنَّ المَأْمُونَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ الْبَيْعَةَ لِنَفْسِهِ بِإِمْرَةِ المُؤْمِنِينَ وَلِلرِّضَا عليه السلام بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ وَلِلْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ بِالْوِزَارَةِ، أَمَرَ بِثَلَاثَةِ كَرَاسِيَّ فَنُصِبَتْ لَهُمْ، فَلَمَّا قَعَدُوا عَلَيْهَا أَذِنَ لِلنَّاسِ فَدَخَلُوا يُبَايِعُونَ فَكَانُوا يُصَفِّقُونَ بِأَيْمَانِهِمْ عَلَى أَيْمَانِ الثَّلَاثَةِ مِنْ أَعْلَى الْإِبْهَامِ إِلَى الْخِنْصِرِ وَيَخْرُجُونَ، حَتَّى بَايَعَ فِي آخِرِ النَّاسِ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ فَصَفَّقَ بِيَمِينِهِ مِنَ الْخِنْصِرِ إِلَى أَعْلَى الْإِبْهَامِ، فَتَبَسَّمَ أَبُو الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام، ثُمَّ قَال:
«كُلُّ مَنْ بَايَعَنَا بَايَعَ بِفَسْخِ الْبَيْعَةِ غَيْرَ هَذَا الْفَتَى فَإِنَّهُ بَايَعَنَا بِعَقْدِهَا».
فَقَالَ المَأْمُونُ: وَمَا فَسْخُ الْبَيْعَةِ مِنْ عَقْدِهَا؟
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عليه السلام: «عَقْدُ الْبَيْعَةِ هُوَ مِنْ أَعْلَى الْخِنْصِرِ إِلَى أَعْلَى الْإِبْهَامِ، وَفَسْخُهَا مِنْ أَعْلَى الْإِبْهَامِ إِلَى أَعْلَى الْخِنْصِرِ».
قَالَ: فَمَاجَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، وَأَمَرَ المَأْمُونُ بِإِعَادَةِ النَّاسِ إِلَى الْبَيْعَةِ عَلَى مَا وَصَفَهُ أَبُو الْحَسَنِ عليه السلام، وَقَالَ النَّاسُ: كَيْفَ يَسْتَحِقُّ الْإِمَامَةَ مَنْ لَا يَعْرِفُ عَقْدَ الْبَيْعَةِ، إِنَّ مَنْ عَلِمَ لَأَوْلَى بِهَا مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ، قَالَ: فَحَمَلَهُ