الإمام الرضا عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٧ - الفصل الثَّاني الإِمَامُ وَعَصْرُهُ

أَخُوكَ! إِنَّهُ اجْتَمَعَ إِلَيَّ أَصْحَابُ المَقَالَاتِ وَأَهْلُ الْأَدْيَانِ وَالمُتَكَلِّمُونَ مِنْ جَمِيعِ الْمِلَلِ فَرَأْيُكَ فِي الْبُكُورِ عَلَيْنَا إِنْ أَحْبَبْتَ كَلَامَهُمْ، وَإِنْ كَرِهْتَ ذَلِكَ فَلَا تَتَجَشَّمْ، وَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ نَصِيرَ إِلَيْكَ خَفَّ ذَلِكَ عَلَيْنَا، فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عليه السلام: «أَبْلِغْهُ السَّلَامَ وَقُلْ لَهُ: قَدْ عَلِمْتُ مَا أَرَدْتَ وَأَنَا صَائِرٌ إِلَيْكَ بُكْرَةً إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى» [١]

. ثم بيَّن الإمام ما يدل على أن هدف المأمون من تشكيل مثل هذه المجالس، النيل من قدر الإمام حيث يظن أنه قد يتوقف عن محاجة خصومه ولكن الإمام قال للنوفلي (الراوي):

«يَا نَوْفَلِيُّ! أَتُحِبُّ أَنْ تَعْلَمَ مَتَى يَنْدَمُ المَأْمُونُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: إِذَا سَمِعَ احْتِجَاجِي عَلَى أَهْلِ التَّوْرَاةِ بِتَوْرَاتِهِمْ، وَعَلَى أَهْلِ الْإِنْجِيلِ بِإِنْجِيلِهِمْ، وَعَلَى أَهْلِ الزَّبُورِ بِزَبُورِهِمْ، وَعَلَى الصَّابِئِينَ بِعِبْرَانِيَّتِهِمْ، وَعَلَى أَهْلِ الْهَرَابِذَةِ بِفَارِسِيَّتِهِمْ، وَعَلَى أَهْلِ الرُّومِ بِرُومِيَّتِهِمْ، وَعَلَى أَصْحَابِ المَقَالَاتِ بِلُغَاتِهِمْ، فَإِذَا قَطَعْتُ كُلَّ صِنْفٍ وَدَحَضْتُ حُجَّتَهُ وَتَرَكَ مَقَالَتَهُ وَرَجَعَ إِلَى قَوْلِي عَلِمَ المَأْمُونُ أَنَّ المَوْضِعَ الَّذِي هُوَ بِسَبِيلِهِ لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ لَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَكُونُ النَّدَامَةُ مِنْهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيم» [٢]

. ثم بيّن الحديث- بعد هذا الكلام- وضع الجلسة وقال: «فَلَمَّا دَخَلَ الرِّضَا عليه السلام قَامَ المَأْمُونُ وَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَجَمِيعُ بَنِي هَاشِمٍ، فَمَا زَالُوا وُقُوفاً وَالرِّضَا عليه السلام جَالِسٌ مَعَ المَأْمُونِ، حَتَّى أَمَرَهُمْ بِالْجُلُوسِ فَجَلَسُوا، فَلَمْ يَزَلِ المَأْمُونُ مُقْبِلًا عَلَيْهِ يُحَدِّثُهُ سَاعَةً، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْجَاثَلِيقِ فَقَالَ: يَا جَاثَلِيقُ! هَذَا ابْنُ عَمِّي عَلِيُّ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، وَهُوَمِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ بِنْتِ نَبِيِّنَا وَابْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام، فَأُحِبُّ أَنْ تُكَلِّمَهُ وَتُحَاجَّهُ


[١] بحار الأنوار، ج ٤٩، ص ١٧٤.

[٢] بحار الأنوار، ج ٤٩، ص ١٧٥.