الإمام الرضا عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤ - الفصل الثَّاني الإِمَامُ وَعَصْرُهُ

ذَلِكَ عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنْ سَمِّهِ» [١]

. ثالثاً: منذ الأيام الأولى لولايته للعهد انتهز الإمام كل فرصة ممكنة لنشر بصائر الوحي، وأظهر أنه أحق بالخلافة من غيره، فمثلًا نقرأ في وثيقة ولايته للعهد ما يدل على أن المأمون إنما عمل بواجبه في الاحتفاء بأهل بيت الرسالة. دعنا نقرأ ونتدبر معاً الوثيقة التالية:

«بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الحَمْدُ للهِ الْفَعَّالِ لِمَا يَشَاءُ، لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَلَا رَادَّ لِقَضَائِهِ، يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِين.

أَقُولُ وَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ: إِنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ عَضَّدَهُ اللهُ بِالسَّدَادِ وَوَفَّقَهُ لِلرَّشَادِ، عَرَفَ مِنْ حَقِّنَا مَا جَهِلَهُ غَيْرُهُ، فَوَصَلَ أَرْحَاماً قُطِعَتْ، وَآمَنَ نُفُوساً فَزِعَتْ، بَلْ أَحْيَاهَا وَقَدْ تَلِفَتْ، وَأَغْنَاهَا إِذِ افْتَقَرَتْ؛ مُبْتَغِياً رِضَا رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا يُرِيدُ جَزَاءً مِنْ غَيْرِهِ، وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ وَلا يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ.

وَإِنَّهُ جَعَلَ إِلَيَّ عَهْدَهُ وَالْإِمْرَةَ الْكُبْرَى إِنْ بَقِيتُ بَعْدَهُ، فَمَنْ حَلَّ عُقْدَةً أَمَرَ اللهُ بِشَدِّهَا وَقَصَمَ عُرْوَةً أَحَبَّ اللهُ إِيثَاقَهَا فَقَدْ أَبَاحَ حَرِيمَهُ وَأَحَلَّ مُحَرَّمَهُ؛ إِذْ كَانَ بِذَلِكَ زَارِياً عَلَى الْإِمَامِ مُنْتَهِكاً حُرْمَةَ الْإِسْلَامِ. بِذَلِكَ جَرَى السَّالِفُ، فَصُبِرَ مِنْهُ عَلَى الْفَلَتَاتِ، وَلَمْ يُعْتَرَضْ بَعْدَهَا عَلَى الْعَزَمَاتِ، خَوْفاً عَلَى شَتَاتِ الدِّينِ وَاضْطِرَابِ حَبْلِ المُسْلِمِينَ، وَلِقُرْبِ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَرَصَدِ فُرْصَةٍ تُنْتَهَزُ وَبَائِقَةٍ تُبْتَدَرُ.

وَقَدْ جَعَلْتُ للهِ عَلَى نَفْسِي- إِنِ اسْتَرْعَانِي أَمْرَ المُسْلِمِينَ وَقَلَّدَنِي خِلَافَتَهُ- الْعَمَلَ فِيهِمْ عَامَّةً وَفِي بَنِي الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ خَاصَّةً


[١] بحار الأنوار، ج ٤٩، ص ١٤٤.