الإمام الحسن عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٥ - بعد فقد الرسول
لقد تعبت الكوفة من الحروب، وبدأت تفكر في العيش الرغيد. وغاب عنهم أهل البصائر الذين كانوا يحومون حول أمير المؤمنين عليبن أبي طالب، ويذكِّرون الناس باليوم الآخر، ويبيّنون للناس فضائل إمامهم الحق. لقد غاب عنهم اليوم عمار بن ياسر الذي كان ينادي بين الصَّفَّيْن في معركة صِفِّين: الرواحَ إلى الجنة!. ومالك الأشتر الذي كان لعليٍّ عليه السلام مثلما كان عليٌّ لرسول الله صلى الله عليه واله بطلًا مقداماً، وقائداً ميدانيًّا محنكاً.
وغاب ابن التيهان الذي يعتبره الإمام علي عليه السلام أخاً له، ويتأوَّه لغيابه، بلى لقد غاب أهل البصائر من أصحاب الرسول وأنصار علي عليه السلام الذين كان أمير المؤمنين عليه السلام يعتمد عليهم في إدارته للحروب.
وغاب القائد المقدام، البطل الهمام، الإمام علي عليه السلام أيضاً، بعد أن أنهى سيف الغدر حياته الحافلة بالأسى، فإنه كان قد صعد المنبر قبيل استشهاده، وقد نشر المصحف فوق رأسه وهو يدعو ربه ويقول:
مَا يَحْبِسُ أَشْقَاكُمْ أَنْ يَجِيءَ فَيَقْتُلَنِي. اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ سَئِمْتُهُمْ وَسَئِمُونِي، فَأَرِحْهُمْ مِنِّي وَأَرِحْنِي مِنْهُم [١].
وبالرغم من أن الإمام عليًّا كان قد جهّز جيشاً لمقارعة معاوية قبيل استشهاده. وهو ذلك الجيش الذي قاده من بعده الإمام الحسن عليه السلام إلَّا أنّ خور عزائم الجيش، واختلاف مذاهبه وخيانة قواده، كان كفيلًا بهزيمته حتى ولو كان الإمام علي عليه السلام هو الذي يقوده بنفسه.
إلَّا أن التقدير كان في استشهاد البطل، وأن يتم الصلح على يد
[١] بحار الأنوار، ج ٤٢، ص ١٩٦.