التمهید فی علوم القرآن - المعرفت، الشیخ محمد هادی - الصفحة ١٥٠ - الماء الاجاج
الماء الاجاج
لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً.
هل فی سنن الکون أن یتحوّل ماء المطر- الذی هو أنقی المیاه و أعذبها- إلی ماء اجاج لا یستساغ شربه و لا یطیب طعمه؟
الآیة
قبلها تنصّ علی أنّ الماء الذی یشربه الناس و الدوابّ- و حتّی الذی یسقی
به الزرع و النبات- هو الماء النازل من السماء: أَ فَرَأَیْتُمُ الْماءَ
الَّذِی تَشْرَبُونَ* أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ [١] أَمْ
نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا
تَشْکُرُونَ [٢].
إنّک تعرف أنّ الأرض ربعها یابس و ثلاثة أرباعها ماء،
هذا الماء کلّه مالح اجاج. لکن اللّه تعالی بفضله و رحمته یقطر للإنسان و
الحیوان و النبات من هذا الماء الاجاج ماء عذبا فراتا سائغا للشاربین. أمّا
جهاز التقطیر فلیس کمثله جهاز.
البحار کلّها فی ذلک دست [٣] لا یسخن من
تحت، کما یفعل الانسان فی تقطیراته التافهة، و لکن یسخن من فوق بنار تفوق
حجم الأرض بآلاف المرّات. فاذا ما تبخّر الماء بحرارة الشمس تکثف فی مکثف
ناهیک من مکثف الجوّ المحیط کلّه و الجبال. و الریاح مستمرّة دائبة فی حمل
هذا البخار المتکاثف و نقلها إلی حیث یشاء اللّه. فاذا أمطرت السماء و سالت
الأودیة و فاضت الأنهار و حملت الخصب
(١) المزن: السحاب المشبّع بالماء.
(٢) الواقعة: ٦٨- ٧٠.
(٣) کلمة عامّیة بمعنی المرجل: القدر، و هو کلّ ما یغلی فیه الماء.