التمهید فی علوم القرآن - المعرفت، الشیخ محمد هادی - الصفحة ٢٩٨ - تقنین الاسرة
تقنین الاسرة:
إنّ الاسرة فی نظر القرآن الکریم تعدّ اللبنة المهمة فی البناء
الاجتماعی، و علی مدی سلامتها و متانة العلاقات القائمة فی داخلها یتوقّف
سلامة البناء برمّته.
و لقد أشارت الآیة المبارکة الی هذه الحقیقة یا
أَیُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّکُمُ الَّذِی خَلَقَکُمْ مِنْ نَفْسٍ
واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالًا کَثِیراً وَ
نِساءً ... [١] کما أشار القرآن الی أمر له مدخلیة فی استقامة البناء
الاسری، قال تعالی: خَلَقَ لَکُمْ مِنْ أَنْفُسِکُمْ أَزْواجاً
لِتَسْکُنُوا إِلَیْها وَ جَعَلَ بَیْنَکُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً ...
[٢]. فالسکن هنا و المودّة و الرحمة عناصر أساسیة فی التماسک. ثمّ لفت
القرآن النظر الی أنّ الزواج- وفق قواعد الشرع- یتّسق و یتناغم مع سائر
الوجودات الاخری التی هی من بدائع صنع اللّه تعالی، فقال تعالی: سُبْحانَ
الَّذِی خَلَقَ الْأَزْواجَ کُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَ مِنْ
أَنْفُسِهِمْ وَ مِمَّا لا یَعْلَمُونَ [٣]. إذ فیها تنبیه الی أنّ ظاهرة
الزوجیة تحکم الموجودات کلّها، و أن هذه الموجودات تجری علی نوامیس و
قوانین لا تحید عنها. قال تعالی: وَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ
الْأَرْضَ بِالْحَقِّ [٤]. و قال تعالی: وَ أَنْبَتْنا فِیها مِنْ کُلِّ
شَیْءٍ مَوْزُونٍ [٥]. و قال تعالی:
وَ الشَّمْسُ تَجْرِی
لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِکَ تَقْدِیرُ الْعَزِیزِ الْعَلِیمِ [٦]. و فی کلّ
ذلک تنبیهات و إشارات واضحة الی تحکّم القوانین فی کلّ أنحاء الوجود و
أجزائه [٧]. و بناء علی ذلک، فإنّ الاسرة یجب أن تتکون و تتشکّل وفق قانون،
و إنها یجب أن تنضبط فعالیّاتها وفق قانون، و أن تنشأ العلاقات و تتوزّع
الحقوق و الواجبات أیضا وفق قانون.
(١) النساء: ١.
(٢) الروم: ٢١.
(٣) یس: ٣٦.
(٤) الجاثیة: ٢٢.
(٥) الحجر: ١٩.
(٦) یس: ٣٨.
(٧) المیزان: ج ٥ ص ٣٠، و أیضا ج ١٧ ص ٨٨- ٩١.