الخلود في جهنّم - محمد عبد الخالق كاظم - الصفحة ٦٧ - ٢ دلالة الاستثناء عن الخلود على انقطاع العذاب
فلايحسن منه وضعها في الكلام موضع التأبيد بأيّ صورة تصورت ، كيف لا وقد قال تعالى : ( مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ... ) ؟ [١] وكيف يصح مع ذلك أن يقال : إن الجنة والنار خالدتان أبداً مادامت السماوات والأرض ؟ [٢]
وقوله : ( إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ) نقل العلامة الطبرسي [٣] والقرطبي [٤] في المقصود من الاستثناء عشرة وجوه ، وهي كما يلي :
أولاً : أنه إستثناء في الزيادة من العذاب لأهل النار ، والزيادة من النعيم لأهل الجنة ، والتقدير إلّا ما شاء ربك من الزيادة على هذا المقدار ، كما يقول الرجل لغيره : لي عليك ألف دينار إلّا الألفين اللذين أقرضتكهما وقت كذا ، فالألفان زيادة على الألف بغير شك ، لأنّ الكثير لا يستثنى من القليل ، وعلى هذا يكون ( إلّا ) بمعنى ( سوى ) أي سوى ماشاء ربك ، كما يقال : ماكان معنا رجل إلّا زيد ، أي سوى زيد. وقد رده العلامة الطباطبائي بقوله : إنّه مبني على عدم إفادة قوله : ( مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ) الدوام والأبدية ، وقد عرفت خلافه. [٥]
وقال ابن القيم : لاتخفى منا فرته والمستثنى منه ، وأن الذي يفهمه المخاطب مخالفة ما بعد ( إلّا ) لما قبلها. [٦]
ثانياً : أن الاستثناء واقع على مقامهم في المحشر والحساب ، لانهم حينئذٍ ليسوا في جنة ولانار ومدة كونهم في البرزخ الذي هو ما بين الموت والحياة ، لأنّه تعالى لو قال خالدين فيها أبداً ولم يستثن لظنّ الظان أنهم يكونون في النار والجنة من لدن نزول الآية ، أو من بعد انقطاع التكليف ، فحصل للاستثناء
[١]. الاحقاف ، ٣.
[٢]. تفسير الميزان ، ج ١١ ، ص ٢٦.
[٣]. مجمع البيان ، ج ٥ ، ص ١٩٤ ـ ١٩٦.
[٤]. تفسير القرطبي ، ج ٩ ، ص ٩٩ ـ ١٠٢.
[٥]. تفسير الميزان ، ج ١١ ، ص ٣٠.
[٦]. حادي الارواح ، ص ٢٥١.